تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

في روايتها الأولى "بنات الرياض" تتسلّل "رجاء الصّانع" إلى قرّائها دون سابق معرفة، وعبر عمل جديد في فكرته، وجريء في طرحه، يمكن تلخيصه في أربع فتيات سعوديات يبحثن عن الحب، إحداهنّ "قمرة" الفتاة التي رغبت الطلاق بعد اكتشاف خيانة زوجها لها، و"سديم" التي تركها خطيبها بعد أن سلّمته نفسها، ليتركها بعد ليلة حميميّة معتقداً أنها فعلت ذلك مع آخرين قبله، و"مشاعل" أو "ميشيل" التي لم يتمكّن حبيبها من الزواج بها بعد أن امتثل لأوامر أمّه الرّافضة أن يتزوج ولدها من فتاة أمّها أمريكية، و"لميس" الفتاة التي كانت أكثرهنّ حظّاً، وأوفرهنّ نصيباً، والتي حملت همومهنّ، وروت تجاربهنّ، يجمعهنّ المكان، وظروف اجتماعيّة جيّدة، ومجتمع واحد، تلتبس فيه العادات والتقاليد بالمحظور الدّيني والمتلبس الاجتماعي، فتثور فيه العواطف، وتسكب فيه الدّموع، ويعيش الإحباط في نفوس قرأت إمكانيّة الحياة بعيداً عن واقعها!.

إلى هنا والأمر عاديّ جدّاً، لكنّ المضحك والمبكي في الوقت ذاته هي تلك الرّدود التي قابلت العمل بعد صدوره، فهناك فئة قرأت العمل وفق رؤية تؤمن بمقدّمة "غازي القصيبي" الذي قال عن الرواية وصاحبتها: "إنّه عمل يستحق أن يُقرأ، وروائية يُنتظر منها الكثير" ـ الرواية. وفئة قرأت العمل وفق عنوانه المغري بالقراءة، فهو يشي بأنّ هنالك مستوراً سوف يُكشف، وهذا المستور يخصّ فتيات بعينهنّ، وهاتان الفئتان لا ضرر منهما، إذ ليس هنالك ما يمكن أن يخسره القارئ أو الكاتب على حدٍّ سواء.

بيد أنّ الخسارة الحقيقيّة هي في الفئتين الأخريين اللتين تنظران للعمل وفق منظور واحد، ورؤيتين مختلفتين، وأعني بالمنظور "القناعة"، كما أعني بالرؤيتين: القراءة الفعليّة الملتبسة بالخوف، أو القراءة بالإنابة الأكثر التباساً وضرراً، وللأسف أنّ هاتين الفئتين كانتا الأغلب وفق ما تردّد من آراء في مواقع الإنترنت المختلفة، أو ما كتب من مقالات صحفيّة تعدّ العمل خطيئة أدبيّة يجب على الكاتبة أن تتبرأ منها وأن تُعلن براءتها من العمل!.

لستُ هنا بصدد الدّفاع عن العمل الذي كتبته "رجاء الصّانع" وأصبح ملكاً للقارئ، كما أنّني لا أنوي مصادرة الآراء التي خالفت قناعتي في العمل، أو تطاولت عليه، لمجرّد العنوان البرّاق، أو نزعت عنه أحقيّة الحضور، لمجرّد الاعتراض، وتسجيل موقف ما!.

فهناك قاصّة، مثل "بدرية البشر" نظرت للعمل على أنّه قلق مبدع، يريد أن يبوح لمن حوله، أن يرسم لهم الطّريق: "هكذا يبدأ المبدعون عادة، لديهم قلق الفضح، يريدون دائماً أن يحذروا من حولهم من خيانة الذات والتزوير، يريدون أن يقلّدوا جدتهم زرقاء اليمامة التي استطاعت فضح اللوحة السريالية في مشهد غامض لرجال يعتمرون ورق الشجر فوق رؤوسهم، لتضليل قومها، والغدر بهم ومباغتتهم. لكنّ أهل اليمامة اعتبروا زرقاءهم مبدعة مضلة بالوهم". بدرية البشر ـ جريدة الشرق الأوسط.

فيما رأى شاعر، مثل "عبدالرحمن العشماوي" العمل على أنّه خطيئة أدبيّة، إذ يقول عن العمل " ... (بنات الرياض) خطيئة أدبية، وهي عمل ضعيف لغةً وأسلوباً"، كما يقول مخاطباً الكاتبة: "يا رجاء، عودي إلى الحق فأنتِ في أوَّل الطريق، أعلني براءتكِ من هذا العمل".

لن أتداخل مع رؤيتي المبدع والنّاقد، ولن أعترض على إعجاب "بدرية البشر" أو اعتراض "العشماوي" وامتعاضه، لكنّني ـ وهذا حقّي المشروع ـ أسجّل إعجابي الشّديد بالعمل، إذ نظرت إليه على أنّه سبق أدبيّ، ورؤية جريئة يمكنها أن تنتقل بين شرائح المجتمع، بالطّريقة التي يعيشون بها، وفي المجتمع الذي يتصادمون معه، وبه، إذ مازلت مؤمناً بأنّ الكتابة حين تكون ذات تعبير صادق تكون أقرب إلى النّفس، تشدّ ببراعة الوصف، وعمق التناول، وقصديّة الكتابة غير المستفزّة، لأنّها تحرص أن تكون عوناً في رسم صورة واضحة يمكن أن تأخذ مكانتها بين كثير من المظاهر التي تطغى على الكتابة حين تتزلّف أو تتجاوز الواقع إلى كتابات هائمة وغير ذات جدوى، فهي تكتب العمل ـ أي الكاتبة ـ بشفافيّة مطلقة تعبيراً عن جيلها، تنطق بألسنتهم،وتنظر للأمور بشيء من الاستحقاق والجدّة.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير