ـ[منذر أبو هواش]ــــــــ[19 - 04 - 2008, 05:05 م]ـ
:::
الغاية البلاغية من تجويز المخالفة بتذكير المؤنث وتأنيث المذكر
قد تكون التنبيه إلى الخصوصية والاختلاف الاستثنائي
في المعنى أو الأهمية أو الشدة أو الحجم ...
القاعدة النحوية العامة تقول:
1 - يجب تأنيث الفعل للفاعل إذا كان الفاعل أو نائبه ضميرا يعود علىجمع تكسير لغير العاقل نحو: الأزهار تبسمت لاستقبال جنودنا.
2 - يجوز تأنيث الفعل للفاعل إذا كان الفاعل أو نائبه جمع تكسير لغير العاقل، نحو: استسلمت الأزهار للنسيم، أو استسلم الأزهار للنسيم.
3 - يمتنع تأنيث الفعل للفاعل ونائبه في غير الحالات التي يجب فيها تأنيثه والحالات التي يجوز فيها تأنيثه.
الأساتذة الأعزاء،
في مداخلتي السابقة تحت عنوان: "هل يجوز تذكير الفعل وتأنيثه مع جمع التكسيرللعقلاء سواء أكان مذكرا أومؤنثا؟ " عرضت لرأيي الأستاذين الدكتور سليمان الحقيل والأستاذ عبدالله الصاعدي الذين قالا (على حد فهمي) بجواز تذكير وتأنيث فعل جمع التكسير المتقدم على فعله وهو عاقل نحو: التلاميذ حضرت وحضروا، ووجوب التأنيث إذا كان غير عاقل نحو: الجمال سارت.
ورغم قلة زادي في علوم النحو فقد ذكرت أنني أميل إلى تصويب أستاذنا الدكتور مروان من الناحية النحوية، مع أنني حاولت في الوقت نفسه أن أجتهد وأن ألتمس مبررا بلاغيا ما لتجويز ما ادعاه الأستاذان سليمان الحقيل وعبدالله الصاعدي، ويبدو أنني لم أكن موفقا في محاولتي الأولى تلك.
لا شك أن هناك الكثير من التفسيرات والتبريرات البلاغية المختلفة التي تفسر ظاهرة الموافقة والمخالفة تذكيرا وتأنيثا لجموع التكسير وغيرها، ولا أعتقد أن هناك خلافا نحويا عليها في حالات تقدم الفعل موافقة أو مخالفة. ويبدو لي أن الخلاف المتعلق بـ "جواز مخالفة فعل جمع التكسير المتقدم على فعله تذكيرا وتأنيثا وهو عاقل نحو: التلاميذ حضرت" هو الخلاف الوحيد.
من خلال النظر في الأمثلة التي تفضل بها الأساتذة الأجلاء، والأمثلة المعروضة بأدناه المأخوذة من القرآن الكريم، نلاحظ أن المخالفة النحوية البلاغية تأنيثا وتذكيرا كانت تستخدم في كافة الحالات من أجل التنبيه إلى المعنى الأكثر خصوصية والأكثر استثنائية، بينما نرى أن الموافقة النحوية تأنيثا وتذكيرا إنما تستخدم في الحالات التي يكون المعنى فيها عاما وعاديا وشاملا ولا يحتاج إلى تنبيه وتخصيص وتوجيه اهتمام.
لذلك فإنني أعتقد أن الهدف البلاغي من مسألة المخالفة في التأنيث والتذكير هنا لا تختلف كثيرا عن الهدف البلاغي من التقديم والتأخير في لغة العرب، وأنها مثلها ليست مسألة عفوية، وأن المخالفة التي تؤدي إلى اختلاف العبارات لابد أن تؤدي أيضا إلى اختلاف في المعنى، لذلك يكون علينا في مثل هذه الحالات أن نكتشف ونتدبر الفلسفة الشكلية الخارجية للعبارات والجمل.
يقول الدكتور فاضل السامرائي في كتاب التعبير القرآني (صفحة 49 - 74):
"إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والاهتمام. فما كانت به عنايتك أكبر قدمته في الكلام. والعناية باللفظة لا تكون من حيث أنها لفظة معينة بل قد تكون العناية بحسب مقتضى الحال. ولذا كان عليك أن تقدم كلمة في موضع ثم تؤخرها في موضع آخر لأن مراعاة مقتضى الحال تقتضي ذاك. والقرآن أعلى مثل في ذلك فإنا نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها مرة أخرى على حسب المقام. فنراه مثلاً يقدم السماء على الأرض ومرة يقدم الأرض على السماء ومرة يقدم الإنس على الجن ومرة يقدم الجن على الإنس ومرة يقدم الضر على النفع ومرة يقدم النفع على الضر كل ذلك بحسب ما يقتضيه القول وسياق التعبير.
فإذا أردت أن تبين أسباب هذا التقديم أو ذاك فإنه لا يصح الاكتفاء بالقول إنه قدم هذه الكلمة للعناية بها والاهتمام دون تبيين مواطن هذه العناية وسبب هذا التقديم."
إن تقديم الكلمات في اللغة العربية يعني الإشارة إليها والتنبيه عليها وإيلاء اهتمام خاص بها، وإن تأخير الكلمات يعني العكس من ذلك، ولأن الغايات البلاغية تتعاضد ولا تتضارب، فلا يعقل إذن أن يجتمع أسلوبان بلاغيان في عبارة واحدة أحدهما يفيد تنبيه المتلقي وإثارة اهتمامه، والآخر يفيد العكس.
¥