تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وقد جاء في الآية الكريمة: " وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقّ بها وأهلها"

أمّا سارتر فقد عرّف الأدب الملتزم فقال: " مما لاريب فيه أنّ الأثر المكتوب واقعة اجتماعيّة، ولا بدّ أن يكون الكاتب مقتنعا به عميق اقتناع، حتى قبل أن يتناول القلم. إنّ عليه بالفعل، أن يشعر بمدى مسؤوليته، وهو مسؤول عن كلّ شيء، عن الحروب الخاسرة أو الرابحة، عن التمرّد والقمع. إنّه متواطئ مع المضطهدين إذا لم يكن الحليف الطبيعي للمضطّهدين "

ويشير سارتر إلى الدّور الكبير الذي يلعبه الأدب في مصير المجتمعات، فالأدب مسؤول عن الحرية، وعن الاستعمار، وعن التطوّر، وكذلك عن التخلّف.

فالأديب ابن بيئته، والناطق باسمها، وكلمته سلاحه، فعليه تحديد الهدف جيدا، وتصويبها عليه بدقّة، فـ " الكاتب بماهيته وسيط والتزامه هو التوسّط "

وهنا يبرز هدف الالتزام في جدّة الكشف عن الواقع، ومحاولة تغييره، بما يتطابق مع الخير والحقّ والعدل عن طريق الكلمة التي تسري بين الناس فتفعل فيهم على نحو ما تفعل الخميرة في العجين على ألا يقف الالتزام عند القول والتنظير، فالفكر الملتزم في أساس حركة العالم الذي يدور حوله على قاعدة المشاركة العملية لا النظرية إذ: ليس الالتزام مجرّد تأييد نظري للفكرة، وإنّما هو سعي لتحقيقها، فليست الغاية أن نطلق الكلمات بغاية إطلاقها.

ويرى رئيف خوري أنّ الكاتب مطالب بمسؤوليّة مجرّد أن يكتب وينشر لمجتمعه، فهو يجب أن يعبّر عن آلامها وآمالها ونضالها.

" ليس كفعل القلم اجتماعي وتاريخي بكل ما تنطوي عليه كلمة اجتماعي من شؤون الأمّة، والشعب، والقوم، والوطن، والانسانيّة ... وعلى القلم المسؤول أن ينفي عنه أوّل شيء اعتبار عامل الكسب. فذلك هو الشرط المبدئي لصحّة الرأي ونزاهته "

وظروفنا الاجتماعيّة الحالية، الحافلة بالقلق، والمليئة بالمشكلات، تدعو وبشدّة إلى الأدب الملتزم ووضع بلادنا العربية وما آلت إليه من تشرذم ومن تآمر الأعداء وتكالبهم عليها، تدعو الكلّ إلى تجنيد الجهود للعمل على تحرير البلاد ورفع مستواها السياسي والاجتماعي والفكري.

وحتى يكون الأدب صادقا، لا بدّ وأن يتكلّم عن الواقع الذي يعيشه الأديب، والظروف التي تحيط به، وتؤثر على نفسيته وعلى يراعه، فتخرج حينئذ الكلمات نابضة بالصدق، وتأخذ طريقها مباشرة إلى فكر القارئ ووجدانه.

أمّا معنى الالتزام فعريق في الادب، قديم مثل كلّ أدب أصيل، وكلّ تفكير صميم، ذلك أنّ الالتزام في الأدب لا يعدو في معناه الصحيح أن يكون الأدب ملتزما الجوهري من الشؤون، منصرفا عن الزخرف اللفظي وعن الزينة الصورية التي هي لغو ووهم وخداع، والالتزام هو أن يكون الأدب مرآة جماع قصّة الانسان وخلاصة مغامراته وتجربته للكيان، وزبدة ما يستنبطه من عمق أعماقه وألطف أحشائه من أجوبة عن حيرته وتساؤلاته، وهو أن يكون الأدب رسالة يستوحيها من الجانب الإلهي من فكره وروحه، ومن هذا الوجدان أو الحدس الإلهي، الذي هو الفكر وما فوق الفكر، والعقل وما فوق العقل، والخيال مع العلم والمعرفة، مع الانطلاق مجربا في كليته وشموليته.

فالأدب الملتزم هو سابق على محاولات المحدثين، وقد وجدنا قديما الأدب يتجسّد في مشاركة الأديب الناس، همومهم الإجتماعيّة والسياسيّة، ومواقفهم الوطنيّة، والوقوف بحزم، لمواجهة ما يتطلّبه ذلك، إلى حدّ إنكار النّفس في سبيل ما يلتزم به الأديب شاعرا أم ناثرا. واطلاعنا على أدبنا القديم وشعرائه، يعرّفنا أنهم كانوا في العهود والأعصر العربية، في الجاهلية والإسلام كافة، كانوا أصوات جماعاتهم. كذلك قبل كلّ واحد منهم أن يعاني من أجل جماعته التي ينطق باسمها، إلى حدّ أنّك إذا سمعت صوت أحدهم وهو يرتفع باسم جماعته أو قومه، لا يمكنك إلا أن تحسّ هذا الالتزام ينساب عبر الكلمات، يصوّر هذا الإيمان وتلك العقيدة دون أن يساوره أدنى شكّ أو حيرة أو تردّد في تحديده للمشكلات التي يواجهه، والتي تتعلّق بمصيره ومصير سواه من أبناء قومه في القبيلة أو الحزب أو الدين، يدفعه إيمان راسخ بضرورة حلّ إشكالية القضايا التي كان يواجهها في حينه

ما هو الشعر الملتزم؟

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير