تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[حاتم الطائي والمال]

ـ[عامر مشيش]ــــــــ[27 - 09 - 2008, 08:14 م]ـ

حاتم بن عبد الله الطائي راهن على تخليد ذكره فكسب الرهان في حياته وبعد مماته وإلى اليوم وإلى أن يشاء الله تعالى وكان في حياته مظفرا كسَّابا فلعله لذلك عرف أنه لن يخسر رهانه يقول:

أماوي إن المال غادٍ ورائح=ويبقى من المال الآحاديث والذكرُ

وهكذا بقي قوله وفعله والذي أفاد مالا في الأمس ذهب ماله فما بالك بمال البخلاء الذي عاصروا حانما وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله "ذاك رجل أراد أمرا فأدركه " يعني حاتما الطائي. لا نريد أن ننظر إلى حياة حاتم بتفاصيلها وهي جديرة بذلك وإن كان فيها بعض الجاهلية كالغزو والخمر وما إليهما من الأمور التي لم تكن نكرا في الجاهلية بل كانت فخرا ولو لم تكن كذلك ما تلبس حاتم بشيء منها، إنما نريد أن نبحث في فلسفة حاتم تجاه المال تلك التي خلدت ذكره في مقدمة الكرماء ممن قبله وممن بعده، وفلسفته هذه نابعة من كرمه ولعله ورث ذلك عن أمه السخية عِنَبَة بنت عفيف الطائي.

من أين لك هذا يا حاتم؟

كان حاتم يرعى إبل أبيه فوافاه ثلاثة نفر فنحر لهم ثلاثة من إبله ولم يعرفهم ثم سألهم فكانوا النابغة الذبياني، وعبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم وهم فحول الشعراء فقام وفرّق إبل أبيه فيهم وعاد إلى أبيه صفرا قد أذهب الإبل مفتخرا بصنعه فأقسم أبوه ألا يساكنه فقال حاتم: إذا لا أبالي واعتزل واستقل وسار أبوه بأهله وتركه ولربما سر حاتم بهذا لأنه بدأ الرهان وخط لذلك خطته فقال:

وإنّي لَعَفُّ الفَقْرِ مُشترَكُ الغِنى=وردك شكل لا يوافقه شكلي

وشكلي شكل لا يقوم لمثله=من الناس إلا كلُّ ذي نيقة مثلي

ولي نيقة في المجد والبذل لم تكنْ=تألفها فيما مضى أحدٌ قبلي

وأجعلُ مالي دون عرضي جنة ً=لنفسي فاستغني بما كان من فضلي

ولي معَ بذلِ المالِ والبأسِ صَوْلة ٌ=إذا الحرب أبدت عن نواجذها العصل

وما ضَرّني أَنْ سارَ سَعْدٌ بِأهْلِهِ=وأفرَدَني في الدّارِ ليسَ معي أهلي

وكان يريد أن يتفرد بما لم يسبق إليه وأن يحوز قصب السبق وقد علم أنه يخاطر في كل شيء ولا بد أن يضحي فكان أهله أول الفداء لخطته ومن يصبر مع حاتم؟

تعلم حاتم بن عبد الله من هذه الحادثة أنه لن يستطيع أن ينفق من مال إلا ما كان خالصا له ليس له شريك فيه، وهكذا غدا حاتم بلا مال صفر اليدين وكان أكثر ما يخشاه إن يضاف وليس عنده ما يقري به الأضياف فتمنى:

ألا سبيلٌ إلى مالٍ يعارضني=كما يعارض ماء الأبطح الجاري

ألا أُعانُ على جودي بمَيسَرَة =ٍفلا يرد ندى كفيَّ إقتاري

ولكن الأماني لا تغني يا أبا عدي فدعك منها ومن ذا الذي يعينك وأنت متلاف تفتقر في عشية!

وأصبح حاتم صعلوكا ولكن أي صعلوك وهو يقول:

وشكلي شكل لا يقوم لمثله=من الناس إلا كلُّ ذي نيقة مثلي

ولي نيقة في المجد والبذل لم تكنْ=تألفها فيما مضى أحدٌ قبلي

وما هذه من همم الصعاليك وإن بلغت هممهم ما بلغت لكن دهر حاتم صعلكه زمانا ولو كان عليه ما يبالي فإنه يقول:

إذا كنتَ ذا مال كثير موجهاً=تُدَقّ لك الأفحاءُ في كلّ منزِلِ

فإن نزيعَ الجفر يذهب عيمتي=وأبلغ بالمخشوب غير المفلفلِ

فهذا عيش الكفاف تذهب شهوة اللبن جفرة وتشبع بطنه أي طعمة لكنه فتى حمل همه وهم غيره

وإنّي لأُعْطي سائلي ولَرُبّما=أُكلَّفُ ما لا أستَطيعُ فأكلَفُ

إذن بقي على أبي عدي المال حتى لا يرد فقره نداه وما طلاب المال بالمركب السهل قال أبو عدي:

ولن يَكسِبَ الصّعلوكُ حمداً ولا غنًى=إذا هو لم يركب من الأمر معظما

ثم استوى على هذا المركب، وأقدم على ما لا بد منه وهكذا بدأت رحلة البحث الجادة عن المال و

من أطاق التماس شيء غلابا واغتصابا لم يلتمسه سؤالا

إن الغزو والنهب والسلب هو الطريقة المشروعة للكسب الشريف!

لحى اللَّهُ صُعلوكاً مُناهُ وهَمُّهُ=من العيش أن يلقى لبوساً ومطعما

يَنامُ الضّحى حتى إذا ليلُهُ استوَى=تنبه مثلوج الفؤاد مورَّما

مقيماً مع المشرين ليس ببارحٍ =إذا كان جدوى من طعامٍ ومَجثِمَا

ولله صعلوك يساور همُّه=ويمضِي على الأحداثِ والدهرِ مُقدِما

فتى طلباتٍ لا يرى الخمص ترحة ً=ولا شَبعَة ً إنْ نالَها عَدّ مَغنَما

إذا ما أرى يوماً مكارم أعرضتْ=تَيَمّمَ كُبراهُنّ ثُمّتَ صَمّمَا

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير