تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

والأخطر من ذلك أن الشخصانية، وهي تعدد شخصية الواحد، سيرا وراء التوالي الزمني، تمعن في الاعتقاد بالتجاور والترادف، وتقر بوجود شخصيات متراكبة للذات الواحدة في الظرف الواحد. وقد وجد هذا الفهم عند"د. هـ. لورنس"" D.H.LAWRENCE" و"بيرانديللو " PIRANDELLO" تعبيره الفصيح. قال "لورنس" رادا على دعاة الكمال الإنجليز، من خلال حركتهم المسماة " PERFECTIBILITY ":« أي كمال هذا الذي يدعون إليه؟ أهو كمال الإنسان؟ أي إنسان يقصدون؟ إنني لست رجلا واحدا كما يتوهمون! إنني عدة رجال في هيئة رجل واحد! لأي منهم تريدون له الكمال؟» (2). أو ما قاله"بيرندللو" مخاطبا قارئه: « .. أجل فكر في ذلك مليا .. لقد كنت شخصا آخر قبل هذه اللحظة بدقيقة، ليس شخصا آخر وحسب، بل مائة شخص آخر .. » (3). وفي اعتراف الرجلين بيان لتجاور الشخصيات في الظرف الواحد، وكأن تجلي الشخصية الواحدة و هيمنتها على الشخصيات الأخرى مرهون بالمصلحة الآنية التي يتوقف عليها الظهور بهذا الوجه بدل ذلك. والفنان أثناء العملية الإبداعية يتقمص قناعا خاصا، وهو يحتفظ في غيابه بأقنعته الأخرى. بيد أن هذه الأقنعة لا تفقد فاعليتها كلية، بل تظل في حالة اندساس تشع منها بعض عناصرها الخاصة، فتشوش على القناع المهيمن. الأمر الذي يسمح بتسرب بعض المعطيات منها إلى حالة الحضور والشخوص، فيكون حضورها في غفلة من الوعي.

ربما بدت هذه الصورة غير واضحة ونحن نجريها في الحقل الأدبي، بعيدا عن المطارحة الفلسفية، ولكنها- وإن حملت بعض سيمات التطرف والشذوذ- أفضل طريقة لرصد التوترات التي تسكن المبدع أثناء عملية الإبداع، والتي يمكن الركون إليها في رصد التوترات التي تنتاب الكتابة فتضفي عليها طابعها الخاص.

ويحق لنا أن نلطف من غلواء هذه النظرة حين نجعل تعريف المبدع في هذا الشكل الرياضي من الكتابة، فنقول: إنه (الفنان+ الشاب أو الكهل + الذكر أو الأنثى + المريض أو المعافى + الشقي أو السعيد + المحافظ أو الليبرالي + المتدين أو المتسيس .. ).فإذا كان اهتمام الأدب ينصب على السمة الأولى أصالة، فإن إهمال السيمات الأخرى سيضعف القراءة الواعية العميقة، ويجعلها قراءة تجتزئ ببعض حقيقة الفنان دون استكمال حقيقته الكلية. مادامت السيمات الباقية تعمل عملها الدسيس في صلب الأثر الإبداعي، شئنا ذلك أم أبيناه.

إن القراءة وهي تفتح على نفسها هذا الحقل الفسيح المعقد، لا تحاول استكتاب ما سجلته المناهج النقدية القديمة التي رامت ملامسة بعض هذه الجوانب في سعيها لتحقيق نظرتها المعرفية في النص الأدبي، ومن خلال ارتباطها ببعض إنجازات العلوم الإنسانية المتاخمة للأدب. ولكن همها ينصرف إلى ترتيب المتحقق منها في نظرة متكاملة تتيح للقارئ معرفة واقعية بالفنان أثناء سريان العملية الإبداعية، مستفيدة من المعارف الإنسانية جمعاء، حتى تقدم الصورة الأكثر صدقا للأثر الإبداعي أولا، وللعملية الإبداعية ثانية. فإن تمّ لها ذلك، استطاعت أن تعدد مقصديات النص الأدبي، وأن تفتح المعنى على التعدد، والقراءة على الانتشار.

إن فكرة الانتشار التي نجزيها الساعة في خضم القراءة، تجعل هذه الأخيرة مغايرة للنقد ومبتغاه التقليدي. إذ ليس من شأنها الحكم، ولا هو من ديدنها، بل مرادها استكمال الفراغ الباني في النص، وسبر الغياب فيه، وتعديد مقصدياته، وحمله من حالة الكمون إلى حالة الحركة. إن الانتشار فاعلية أخرى اكتسبتها القراءة من قدرة القارئ، من اقتداره الذوقي والمعرفي، ودربته الفنية، ومعاشرته النصوصية. وكلما كان القارئ متمرسا، واعيا بأسباب الإبداع، مدركا لإكراهاته المختلفة، عالما بتشعبات المعنى ومتاهاته، كان قادرا على بعث الحياة في النص. ذلك ما نجده عند "سارتر" " SARTRE" حين رأى في القراءة خذروفا عجيبا لا وجود له إلاّ في الحركة. (4) والمقصود بالحركة ما أشرنا إليه بمصطلح الانتشار (5).

1 - التشكيل الداخلي للنص، الغياب وعمق الذات:

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير