تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ـ[السراج]ــــــــ[31 - 12 - 2009, 08:08 ص]ـ

عوى ثمَّ أقعى فارتجزتُ فهجتُهُ=فأقبلَ مثل البرقِ يتبعُهُ الرعْدُ

البحتري (وصف معركته مع الذئب)

حين أقرأ هذا البيت أخالُ نفسي أمام مشهد مرئي تتلاحقُ الصورة فيها مشاهدَ في سرعةٍ عالية مثل ما تبثّه المرئيات ملخصاتٍ لأخبار أواخر العام في إعلان لما سيُقدّم لكن هذا التلاحق هنا لمشهد رعب!

تتلاحقُ تلك المشاهد كما تتلاحقُ الأفعالُ هنا – وكما أرادها الشاعر – وكفى – في وصفه لسيد الصحراء ومفتّت أمان الرعاة الذي نخترقُ أنفاسه جسد الفلوات بطولها ويعثر على جماعة (مشبوهة) يأتيه – منها – رزقه أو يأتيه – منها – حتفه!

قلنا لمشهد رعب! وهو كذلك فمن تقوده الأقدار والأسباب إلى ملاقاة هذا الرعب كانت فرائصه ترتعد إلا من تثاقل من صلابة قلبه وأدرك بقوته – يقيناً – شقاء ذلك الذئب الذي قاده يومه الأسود لمشهده الأخير، وكثير من شعراء العرب القدماء – كونهم رحّل – وصفوا مشاهد الرعب هذه التي وسموا عنوانها بسمة الشجاعة، فكانت الغلبة لهم لشجاعة الكثير منهم ولشاعرية الكثير كذلك.

وشاعرنا من الذين وصفوا هذا المشهد بل أبدع وانتقى وصفّ ورتّب ونمّق ثم زيّن الكلام: كلانا بها ذئب يحدّثُ نفسه! هذا المقطع هو السرّ العجيب في التغلب على الذئب، وهو علامة لوصف الذئب بسيد الصحراء. فاستحال الشاعر ذئباً إما أن يتغلب حينها أو يموت فما في المكان إلا ذئبٌ.

فإن عدنا للبيت (متحرّك الأجزاء) نجدْه حوى ستة أفعال (وما وجدتْ الأفعال حتى تحركت الكلمات) في إشارة إخبار أنه (حبكة القصة) ونقطة الذروة في مشهده مع الذئب وكذلك هي لبّ المعركة فيكادُ يكون اختصاراً للقصيدة تلك أو للمشهد ذاك مع البيت الذي يليه. وهذه الحركة النابضة في هذا البيت والتي جعلته مرئياً يقودنا لمشهد آخر لشاعر أعمى برع في وصف معركة:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا=وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه

فهذا المشهد المرئي يسير في خط بطيء مع مزجٍ لصورتين حالكتي السواد، بينما البحتري فمن عواء الذئب الذي كان دلالة وجود وإشعار مجيء لحظات قليلة (لتوافق – ثمّ – هنا). أقعى (فجلوسه المترقّب والمنتظر لذرّة حركة)، فارتجزتُ (حركة واضطراب بصوت عال)، فهجتُه (أثرتُه بوجودي). ثم استعرت الحركة لهباً.

قسّم الشطر الأول ففعلين للذئب وفعلين له، تناصفاً للمعركة ومثلما أراد هو أن يكون ذئباً انتصافاً لبطولة الصحراء، وقد اختار الأفعال من قوّة الكلمات بل مايوافق المشهد فأراده حقيقةً – كالمرآة – للناس. فما كان من الذئب إلا أقبل في سرعة هائلة (في سرعة الضوء) - في وصفٍ ينأى عن حقيقة الأمر لكن في حالة الشاعر يقربُ بل أشد من سرعة الضوء حينها، فكأنه لم يغمض عينيه ويفتحها إلا والذئب بوجهه والصوت يجري خلفه!

لكن الشاعر لم يقل بهذا الأسلوب وإلا لم يكن شاعراً! فلابد من إضافة نكهة الجمال؛ فتبحّر ما الذي يسبقُ جركته صوتَه فما كان إلا البرق هو المثال الوحيد لما فعل الذئب، فجعل الخيالُ يعجّ في الشطر الثاني وهو إنعكاسٌ لمشهد إقبال الذئب الحقيقي.

وينتهي أمر الذئب في البيت التالي: فأوجرته خرقاء ...

فكان البيت الحركي هذا ملخص للمشهد المرئي.

ـ[أنوار]ــــــــ[31 - 12 - 2009, 08:42 ص]ـ

أستاذنا السراج ..

وقفاتكم تنمّ عن ذائقة شعرية فذّة لا تتأتى لأيّ قارئ ..

قراءة عميقة للشعروسبرٌ لأغواره .. وغوصٌ في ألفاظه ومعانيه

أجزل لكم الثناء .. وفي ترقّب الجديد نأمل

ـ[السراج]ــــــــ[31 - 12 - 2009, 10:16 ص]ـ

شكراً أستاذتنا الفاضلة أنوار على الحضور المبارك ..

وعلى الكلمات المضيئة ..

ـ[ترانيم الحصاد]ــــــــ[31 - 12 - 2009, 03:28 م]ـ

دائم متميز ..

جعلك الله من عباده المقربين ...

ـ[السراج]ــــــــ[31 - 12 - 2009, 05:07 م]ـ

دائم متميز ..

جعلك الله من عباده المقربين ...

آمين

(دعاء أفخر به)

أشكرك ترانيم على ذلك وعلى الحضور المبارك ..

ـ[السراج]ــــــــ[05 - 01 - 2010, 05:17 ص]ـ

ولُحْتَ يا أزرق العينين فانطلقتْ=أشواقُه بجنون البيد في المطرِ

غازي القصيبي

من قصيدة رائعة، وأكثر جمالاً منها: تاجُها، عنوانُها ..

والذي أراد الشاعر أن تكون – من خلاله – أغنيةً لكل الخليج.

يا أزرق العينين:

أما للصخب الذي تغدقه زرقة المياه وتناغمها هدوءاً وسكينة مع عينين تنظران وترتقبان مسافراً في لقاء أو عائداً من شقاء، أما له من نهاية!.

أم أبصرتَ من خلالهما هدوءاً لا تعرفه البحار فما ثارتْ مياهه، أم مزجت الماء مع الإنسان في لوحةٍ فاستحال خليجاً – وهو كما في جغرافيته بعينين زرقاوين.

ولُحتَ: وكأن شاعرنا يحكي قصة للخليج، يقول: شاعرك الولهان – تذكرُهُ؟ هذا الشاعر – ابن الخليج ضجِر من المرافئ التي تسربُ بين الشواطئ في انعدام للألفة، ومن تجواله الطويل من مرفأ لآخر ..

ولُحتَ من بعيد دفأً وصوتاً وأغنيةً وشراعاً ظلّ يستقبل الرياح في دفء ويعيدها موجاً تحرّك منه (سعادة) الإنسان .. ولُحتَ فانطلقتْ الأشواق وروداً بل حمامات لا يحدّها وطن.

لا أدري لم يصرّ الشاعر على خطاب الخليج بلغة المخاطب والمنادى الحاضر في هذه الأغنية: يا ساحر الموج والشطآن والجزر ..

فتراه يُعيد تنظيم الضمائر تجسيداً وهويةً للخليج فيجعله حاضراً مشاركاً مُلهما للأشواق، والإنسان غائبٌ ريثما يعود إلى خليجه.

بجنون البيد في المطر:

كنتُ أظنّ – قديماً – في نظرة ضيقةً – أن استخدام للمطر أجمل من في المطر لكني أدركتُ أخيراً الحُسن وطرُق نسجَ الحروف ملونةً عند الشاعر، فلا ينسجُ ثم يلوّن بل ينسجُ الخيوط ملونةً (الكلمات).

فبلفظته كان للبيد فرح وانتعاش وواقع – بينما (للمطر) هو ترقّب وانتظار – فهاهي معزوفة الماء تستقبلها البيد في ثبات رملها الذي ظلّ مسافراً قبله.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير