تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

الفارابي حاول أن يوضح لنا معنى المحاكاة عندنا، ومعناها عند اليونانيين فصنفها إلى نوعين يقول:

" فإن محاكاة الأمور قد تكون بفعل. وقد تكون بقول، فالذي بفعل ضربان: أحدهما أن يحاكي الإنسان بيده شيئا ما، مثل ما يعمل تمثالا لا يحاكي به إنسانا بعينه، أو شيئا غير ذلك، أو يفعل فعلا يحاكي به إنسانا ما أو غير ذلك. والمحاكاة بقوله: هو أن يؤلف القول الذي يصنعه أو يخاطب به من أمور تحاكي الشيء الذي فيه القول، وهو أن يجعل القول دالا على أمور تحاكي ذلك الشيء " (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

1 - مقالة في قوانين صناعة الشعراء ص 152 كتاب فن الشعر ترجمة عبد الرحمن بدوي

2 - نفس المصدر ص 150

(3)

وعلقت الدكتورة / ألفت الروبي على هذه المقولة بقولها أن الفارابي أراد أن يقول لنا إن الشعر عند اليونانيين تمثيلي مرتبط بفعل التمثيل و الحركة، أما الشعر عندنا فهو غنائي مرتبط بالقول والتعبير

عن الذات (1).

قلنا أن الفارابي وجد أن الشعر العربي شعر غنائي، ليس هذا فقط بل وجد العرب أيضا يهتمون بالقوافي وبالأغراض الشعرية، ولم يركزوا على الأوزان، ولم يربطوا بين الأغراض الشعرية وأوزان معينة، فلم يخصصوا أوزانا لتكون قوالب لأغراض معينة، لكنه وجد اليونانيين عكس ذلك، فهم ربطوا بين الأغراض الشعرية و الأوزان، بل وجعلوا لكل غرض مجموعة من الأوزان، فعلى سبيل المثال ذكر الفارابي أن اليونانيين جعلوا للمدح أوزانا، وللهجاء أوزانا فنعرف من هذا أن هذه الأوزان أصبحت حكرا لهذه الأغراض.

ونرى فيما يرى الكثير من النقاد أن الفارابي له الفضل و السبق في التعرض لهذه القضية، أوهذه الفكرة التي تدور حول اهتمام العرب بالقوافي وبالأغراض الشعرية، وعزفهم عن تخصيص الأوزان للأغراض الشعرية على عكس اليونانيين، ومرد فكر الفارابي هنا يرجع لقدرته الموسيقية العالية التي كان يتحلى بها، ويتميز بها عن غيره في عصره، لكنني أختلف معه في قوله بأن العرب كان لابد لهم بتخصيص الأغراض الشعرية بأوزان عروضية معينة؛ فالباحثون الآن وجدوا أن غرض المديح قديما قد ألفه العرب على وزن بحر البسيط، وغرض الهجاء نظمه العرب بكثرة على وزن الكامل و الطويل.

حدد الفارابي الوسيلة الأكبر عنده للمحاكاة وكانت من نصيب (التشبيه)، فالفارابي مؤمن بأن قول الشعر لكي يصل إلى ذهن القارىء وتتقبله نفس المتلقي، فإنه يجب على الشاعر أن يجيد التشبيه، ولذا فإننا نجد الفارابي يقارن بين الشاعر، والرسام مع وجود بعض الاختلاف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

1 - انظر نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين: د/ ألفت كمال الروبي – الهيئة العامة

المصرية للكتاب ص 75

(4)

يقول:

" إن بين أهل هذه الصناعة (يقصد الشعر) وبين أهل صناعة التزويق (يقصدالرسم) مناسبة وكأنهما مختلفان في مادة الصناعة ومتفقان في صورتها وفي أفعالها وأغراضها " (1)

الفارابي هنا يجعل الفنون كلها تلتقي حول مبدأ المحاكاة، وتختلف مع بعضها في وسائل وأدوات هذه المحاكاة، فالاختلاف على حد قول الفارابي في الصناعة، بينما الاتفاق يكون في صورتها وأفعالها وأغراضها.

هذه المقارنة بين الشعروالرسم لم نجدها عند أرسطو مصدر الفارابي الأول، لذا نجد الدكتور/ محمد علي سلامه يعبر عن هذا، ويشير إلى أن الفارابي هنا أخذ عن الجاحظ هذه الفكرة يقول:

" وأظن أن الفارابي في حديثه القارن بين الشعر و الرسم أو التصوير متأثر بمقولة الجاحظ في الشعر وأنه ضرب من الصبغ وجنس من التصوير لأنه لم يرد عن أرسطو كلام يوحي بهبه المقولة " (2)

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير