تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ـ[وضحاء .. ]ــــــــ[02 - 12 - 2005, 04:40 م]ـ

2. الرمز الديني:

وهو إما اقتباس أو تضمين لآية قرآنية أو حديث شريف، يستدعيه الشاعر لحاجة في نفسه، تختلف من شاعر لآخر حسب ما يقتضيه نصه الشعري. فعندما أراد الشعراء التعبير عن أزمة ما تعصف بمجتمعهم أو كيانهم، اختار بعض منهم أن يتكئ على بعد ديني مقدّس في شعره، ليطلّ من خلاله على ما يريد قوله، موظِّفاً لذلك لفظة تُحسب على هذا النص الديني، أو رمزاً يُنسب إليه، أو إحالة تجد مساحتها الخصبة فيه ومنه.

هذا الأخذ من النص الشرعي، لم يكن وليد هؤلاء الشعراء آنذاك، إنما تتناثر جذوره عميقاً في التأريخ العربي والعالمي على السواء، إذ كان الشعر يتلبّس الدين للخروج إلى مساحات أوسع من الواقع المباشر إلى مسافة تمتدّ بين الأرض والسماء، كما أن الدين كان يجد حضوره الخصب أحياناً، في التعبير الشعري.

ممن استفاد من هذا الرمز، الشاعر (د. وليد قصّاب) في قصيدته: إبليس في دم آدم، فقد استدعى الحديث النبوي: (إن الشيطان ليجري من أحدكم مجرى الدم في العروق). إضافة إلى القصة القرآنية التي وردت عن إنزال إبليس لآدم -عليه السلام- من الجنة: (1)

يقول: لا مهرب مني، ولا وزر ** لن تملك الدهر من كفّيّ منعتقا

جريت فيك خلال الجسم منسرباً ** وفي عروقك كنت الماء مندفقا

[ line]

(1) أشعار من زمن القهر، د. وليد قصّاب:38.

ـ[وضحاء .. ]ــــــــ[03 - 12 - 2005, 03:22 م]ـ

3. الرمز السياسي:

وأكثر ما يمثّل هذا النوع –مما قرأت- قصيدة (اللعين الأول)، للشاعر (محمد المجذوب)، فهي قصيدة رمزية أكثر من رائعة، يتحدث فيها الشاعر عن شخصٍ مكروه من الجميع، ويرمز إلى عمله، بأنه حفّار للقبور، يدفن الموتى من الحرية، والفضيلة، والأمن، إضافة إلى أصحابها الأبطال، فهو لا يدفنهم فقط، بل يجرّدهم قبل ذلك مما يسترهم: (1)

كان جوان –ليته لم يكن- ** يزاول الدفن بإحدى المدن

وكان كل الناس يكرهونه ** لغير ذنب غير ما يحكونه

من كونه يجرّد الأمواتَ ** من كل شيء يستر الرفاتا

وهذه القصيدة تعدّ من الرموز المركّبة؛ فكل أبياتها تعتمد على الرمز، إضافة إلى ذلك فإن الشاعر (المجذوب)، عندما نشرها ذيّلها بـ (الشاعر المجهول)؛ خوفاً على نفسه من الملاعين –كما سمّاهم_ المنتشرين في الوطن العربي، وكابتين أنفاس شعوبهم، فالقصيدة تمسّ الوتر الحسّاس لدى الحكّام الخونة القامعين.

كذلك من النماذج تحت هذا النوع قصيدة (قول مازن) للشاعر (د. وليد قصّاب) رامزاً فيها إلى أن من له سطوة وسلطة فهو حرٌ في تصرفاته، لا يستطيع أحد أن يحاسبه، بينما الضعيف فقط من تُقام عليه الحدود، فهذا حال الدول العربية الآن، متناسية قوله:=: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها): (2)

لو أنني من مازن

وزعمت ... ثم زعمت .. ثم زعمت

من يقضي ورائي أو يقول؟

أتجه للقصة القصيرة، والقاص (د. محمد الحضيف) في: الدرس .. قصة في التابع والمتبوع (3)، حينما يريد البطل تلقين عائلته فكرة يؤمن بها، وقد وجد ابنه يُفهَّم عكسها! إذ يردّد الابن أنشودته: لا تكن رأساً .. لا تكن رأساً! وفي ذلك تكريس لمفهوم التبعية العمياء. وبعدما وضّح لهم من خلال لعبة قص ولصق لصور الحيوانات، أقنعهم باستحالة أن لا يكون الواحد منهم إلا رأساً، فيُوصل بذلك للقارئ فكرته دونما تصريح.

وحينما تقول ابنته أروى: (من الصعب أن نلعب بالرأس .. ) يورّي القاص باللعب المعتاد لدى الأطفال عن اللعب الذي يقصده .. إذ من كان رأساً يصعب اللعب به، وبمبادئه، بينما الذيل فهو جاهز لذلك.

أخيراً نجد الشاعر السوداني (محمد العباسي) –وقد حفل شعره بالرمز-، نجده في قصائده كثيراً ما يرمز بالغزل لمقاصده السياسية، فقد قال معتذراً: (4)

لو لم يكن بفمي ماء لجئت لكم ** بحجة كانبثاق الفجر إشراقا

يقول في حديثه عن الحاكم، و وعوده الزائفة للشعب، وكأنه يتحدث عن حبيب كثير الصدّ:

خان عهد الهوى وأخلف وعدا ** ظالمٌ أحرق الحشاشة صدّا

ماطلٌ لا يرى الوفاء، فإما ** جاد يوماً أعطى قليلاً وأكدى

من مُعيني؟ هذا الحبيب جفاني ** ومُعيري ثوب الشباب استردا

[ line]

(1) أجمل مائة قصيدة، أحمد الجدع:1/ 237.

(2) ديوان من شجون الغرباء، د. وليد قصّاب/ مؤسسة الرسالة-بيروت ط1 1421هـ:78.

(3) من المجوعة القصصية (غوانتانامو)، د محمد الحضيف دار البراء-الرياض ط1 1422هـ

(4) مجلة الفيصل الثقافية، العدد (41) ذو القعدة 1400هـ:72.

ـ[وضحاء .. ]ــــــــ[04 - 12 - 2005, 09:28 م]ـ

4. الرمز الخاص (الذاتي):

وهذا النوع يختلف عن سابقيه؛ لأن الشاعر يرمز إما لحالة نفسية يعايشها، أو رمز خاص به؛ لذلك قد لا يفهمه القارئ، أو الناقد لغموضه، وخلوّه من التداعيات الواضحة، التي تجلو هذا الغموض.

ومن ذلك قصيدة (السفينة) للشاعر (طاهر العتباني)، فقد أتت السفينة رمزاً للوطن تارة، وللصمود تارة أخرى، فالرمز لا ينجلي بوضوح للدلالات التي تتبعه، كما ظهر لنا قبل قليل، فلا نعلم ماذا يريد الشاعر من السفينة، وإن كنت أرى أنها تتعلق بصمود وأمل كبير في نفس الشاعر: (1)

السفينة هذا الوطن

السفينة هذا الصمود الذي

يسكن الدم رغم انحسار الزمن .. والسفينة

هذي المواعيد في دمنا

والأسى والحزن

والسفينة منحتنا

حين يتداعى علينا الطغاة

أيضاً من الرمز الخاص قصيدة (نبوءة العرّافة) للشاعر (د. وليد قصّاب)؛ فالشاعر يرمز إلى الحب العاطفي بين اثنين، بينما هو يقصد أمراً آخر قد يكون شخصاً، أو درجة علمية إذا كان الدكتور يحلم بذلك منذ الصغر، أو قد يكون موطناً بعيداً؛ خاصة إذا عرفنا أن الشاعر قد كتب قصيدته وهو في غربة عن بلاده، وقد يكون بعيداً عن أحبته أيضاً .. ربما: (2)

لكن حبيبك يا ولدي

نجم عال

في حضن الشهب

كنز من تبر

مخبوء في جمر الترب

وتحيط به جند

ثقفت فن الحرب

[ line]

(1) مجلة الأدب الإسلامي، العدد (19) المجلد (5) 1419هـ:108.

(2) ديوان أشعار من زمن القهر، د. وليد قصّاب:71.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير