تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

والكيفية التي تتعامل بها تلك اللغات مع الضمائر والآليات الأخرى في الجمع أو التثنية وغيرها، فضلاً عن النظام العروضي، فعلى سبيل المثال يستند العروض العربي (الخليلي) الى وحدات وزنية موسيقية لها القدرة على التنوع حتى تصل أنماط التنوع هذه الى اكثر من (150) نمطاً وزنياً وموسيقياً، أما العروض الانكليزي (مثلاً) فيعتمد النبر ( Stress) في أربعة أنماط وزنية فقط وفضلاً عن ذلك كله نجد الفجوة بين اللغتين العربية والانكليزية واسعة جداً وبخاصة عند النظر في العمق الحضاري، فالأدب العربي على سبيل المثال تجاوز عمره الحضاري (1500) سنة، أما الشعر الانكليزي فعمقه لم يتجاوز (500) سنة فهو يحوم حول شكسبير ومَن حوله، ونحن نحفظ للمهلهل وامرئ القيس والخنساء قصائد عاشت اكثر من (1450) سنة بسبب ظروف اللغة التاريخية، ممّا أعطاها خاصيّة أفقية في التطوّر يمكن أن نسمّيها (لغة الامتداد الحضاري) وهذا يؤثر طبعاً في فاعلية اللغة الأسلوبية. من ذلك نقول ان دراساتنا النقدية لايمكنها الاستناد المطلق الى مناهج التحليل الأسلوبي على وفق رؤية الغربيين، لأن في اللغة العربية مداخل لايمكن الإمساك بها على وفق رؤية اللغات الهند وأوربية أو غيرها. ويمكن ملاحظة جوانب من الانجاز الأسلوبي في القرآن الكريم لايمكن اخضاعها لإجراءات التحليل الأسلوبي المجردة، فالذي يهيمن على التحليل عنصر داخلي تتحكم به لغة هائلة يمكن رصد الكثير من مظاهرها. وسأكتفي بالوقوف عند ظاهرة توظيف (الكاف) بعيداً عن ميدان المماثلة بوصفها ظاهرة أسلوبية في القرآن لتحسّس الطابع الاشكالي في الاستعانة بمنهج التحليل الاسلوبي في اللغة العربية. فقد توظَّف (الكاف) لتحقيق غايات تنفتح على اتجاهات بعيدة عن التماثل، فالذي يتأمل قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدّت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (سورة الحديد/آية 21). يجد (كاف) التشبيه ذات طابع توضيحي يؤكد أن عرض السماء والأرض يفوت الحصر، فالمشبه به (المفترض): (عرض السماء والأرض) يعبّر عن سعة الجنة. لقد وجّهت (كاف) التشبيه الأنظار نحو افتراض ان الجنة تسع كلّ شيء، ويمكن القول هنا إن الجنة قد لا تكون قياساتها ماديّة بل هي خلقّ آخر وكون ثان مقرّب بوساطة التشبيه الذي يخرق مبدأ التماثل، ويبدو أن (الكاف) هي التي قررّت ذلك، ولو رُفِعَتْ لحضر التماثل وظهر التحديد الذي يقرّر أن عرض الجنة هو عينه عرض السماء والأرض! وفي قوله تعالى: (إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلاّ واحدة كلمحٍ بالبصر) (سورة القمر: 50 - 49/ 54) تجاوزت (الكاف) معنى المماثلة أيضاً، فقوله: (وما أمرنا إلاّ واحدة كلمحٍ بالبصر) يحيل على دلالات تتعلق باثبات وجود البعث والحساب والثواب، فضلاً عن الاقرار بأن مشيئة الله وأعماله وما يريده لا تخضع للزمن الإنساني النسبي، وهذه الصورة (التشبيهيّة) تستحضر قوله تعالى: (بديع السموات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كنْ فيكون) (سورة القمر: 117/ 2)، وقد تتواشج العناصر المكونة للصورة وتتحاور بشكل واسع، ففي قوله تعالى: (وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين) (سورة الجاثية: 34/ 45 يلاحظ أن (الكاف) قامت بدور توضيحي شُبّه فيه الفعل بالفعل، وهذا لا يحصل من دون ارتباط هذه الأداة بـ (ما) المصدريّة، فالتشبيه له كيان خاص إذ لا يمكن القول: (جلس زيد كجلس عمرو!)، ولكن يمكن القول: (جلس زيد كجلوس عمرو)، أي أن جلوس زيد يماثل جلوس عمرو. ان استعمال المصدر المؤول يراد منه إظهار الحركة؛ لأن المصدر الصريح قارّ وثابت؛ فتشبيه الفعل بالفعل الذي أظهرته الأداتان المندمجتان في (كما) قد استحضر الفاعل أيضاً وهو اللّه تعالى، وبسبب ذلك ارتقت الصورة من المماثلة المحدودة الى المشهد، وقد أسهم مجئ الفعل (ننساكم) بصيغة المضارعة في ذلك، والسياق ذهب بالصورة الى مستويات أخرى، فالله تعالى (مثّل تركهم في العذاب بمن حبس في مكان ثم نَسِيَهُ السجّان من الطعام والشراب حتى هلك بطريق الاستعارة التمثيلية) كذلك جاء فعل النسيان في سياق المجاز المرسل، فقد قال: (ننساكم) بدلاً من (نترككم في النار) (واستعمال النسيان في الترك مجاز بعلاقة السببيّة)، واسناد فعل النسيان الى الله تعالى يدخل في مفهوم المجاز العقلي الذي أثار خلافاً عقائدياً كانت أهم محاوره إسناد الأفعال الإنسانية الى الله تعالى، ويصدق ذلك على قوله عزّ من قائل: (الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرّتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون) (سورة الأعراف: 51/ 7).

ـ[وضحاء .. ]ــــــــ[09 - 01 - 2006, 12:44 ص]ـ

شكرا لك ..

و لي عودة أرجو ألا تطول.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير