تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[لطيفة في سيرة موسى - عليه السلام -]

ـ[محمد بن إبراهيم الحمد]ــــــــ[26 Nov 2008, 06:49 م]ـ

[لطيفة في سيرة موسى - عليه السلام -]

لقد كثر ذكر نبي الله موسى - عليه السلام - في القرآن الكريم، كما ورد له ذكر في السنة المطهرة، وليس المجال مجال بسط، وإنما هي إشارات.

ومن خلال ذلك يتبين أن موسى من أولي العزم من الرسل، وأنه قد بلغ الكمال البشري من جهة القوة، والشجاعة، والثبات، ورباطة الجأش؛ كيف لا، وقد بعث إلى أعظم طاغية ذكر في القرآن الكريم ألا وهو فرعون.

كيف لا، وقد عالج من أمة بني إسرائيل ما عالج؛ حيث كانوا على درك سحيق من العناد، والفساد، والخور، واللؤم.

ولعل من أبرز ما جاء في شأن قوته، وشجاعته ما كان منه مِنْ فَقْأ عين المَلَكِ، ومحاجةِ أبيه آدم، وأخذِه برأس أخيه يجره إليه، ومواقفه العظيمة مع فرعون وملأه، إلى غير ذلك مما يدل على شجاعته المتناهية المتنوعة.

ومع ذلك فإن المتأمل في سيرته في القرآن الكريم يرى أنه لم يذكر الخوف في سيرة نبي كما ذكر في سيرة موسى - عليه السلام -.

حيث ورد ذكر الخوف في صيغ متنوعة، وسياقات مختلفة، منها على سبيل المثال قوله -تعالى- عنه: [إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى] طه:45، وقوله - تعالى -: [لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى] طه:46، وقوله: [لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى] طه:68، وقوله - عز وجل -: [لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى] طه:77، وقوله: [فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ] الشعراء:21، وقوله - عز وجل -[فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ] القصص:21، وقوله عن صاحب مدين لموسى: [لا تَخَفْ نَجَوْتَ] القصص:25، وقوله عن موسى -عليه السلام-: [إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ] القصص:34.

وهذه السيرة تحتاج إلى مزيد عناية، وتأمل، وتدبر؛ ليتضح من خلالها شيء من الدروس، والعبر.

ومما توحيه دلالة تلك السيرة أن الشجاعة لا تقتصر على الإقدام في ميادين الوغى فحسب، بل هي أعم من ذلك، فتشمل الشجاعة الأدبية في التعبير عن الرأي، وبالصدع بالحق، وبالاعتراف بالخطأ، وبالرجوع إلى الصواب إذا تبين.

وهذا يتجلى في سيرة موسى غاية التجلي.

ومن الإشارات التي تحملها هداية تلك السيرة العظيمة أنه ليس من شروط الشجاعة ألا يجدَ الرجلُ في نفسه الخوفَ جملةً من الهلاك، أو الإقدام، أو نحو ذلك؛ فذاك شعور يجده كلُّ أحدٍ من نفسه إذا هو همَّ بعمل كبير أو جديد.

بل يكفي في شجاعة الرجل ألا يعظم الخوف في نفسه حتى يمنعه من الإقدام، أو يرجع به إلى الانهزام.

قال هشام بن عبد الملك لأخيه مسلمة المسمى بليث الوغى: يا أبا سعيد، هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟

قال مسلمة: ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه على حيلة، ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأيي.

قال هشام: هذه هي البسالة.

بل إن أشجع الشجعان يجدون في أنفسهم ذلك الشعور إذا هم خاضوا المنازلات، وغشوا ساحات الوغى.

لكن ذلك لا يحملهم على الإحجام والانهزام.

فهذا عمرو بن معدي كرب الزبيدي - وحسبك به شجاعة وإقداماً - يصف نفسه، ويصور حالته في ساحة الوغى، ويبين أن الخوف يداخله، ولكن ذلك لا يحمله على الفرار والإحجام؛ فلا ينقص ذلك من قدره، ولا ينزل من مكانته؛ حيث يقول:

ولقد أجْمَعُ رِجْلَيَّ بها ... حَذَرَ الموتِ وإني لفرورْ

ولقد أعْطِفُها كارهةً ... حين للنفس من الموت هريرْ

كلُّ ما ذلك مني خلقٌ ... وبكلٍّ أنا بالروع جديرْ

فالشجاعة - إذاً - هي مواجهة الألم أو الخطر أو نحو ذلك عند الحاجة في ثبات، وليست مرادفة لعدم الخوف كما يظن بعض الناس.

فالذي يرى النتائج، ويخاف وقوعها، ثم يواجهها في ثبات - رجل شجاع.

فالقائد الذي يقف على خط النار، فترتعد لذلك فرائصه؛ خشية من نزول الموت به، ثم يضبط نفسه، ويؤدي عمله كما ينبغي - هو رجل شجاع.

بل هو شجاع - أيضاً - إذا رأى أن خير عمل يعمله أن يتجنب الخطر، وأن الواجب يقضي عليه أ ن ينسحب بجنوده حيث لا خطر.

فإذا هو أضاع في موقفه رشده، أو ترك موقفاً يجب أن يقفه، أو فر بجنوده من خطر كان عليه أن يقفه - فهو جبان.

فالشجاعة لا تعتمد على الإقدام والإحجام فحسب، ولا على الخوف وعدمه، وإنما تعتمد على ضبط النفس، وعمل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي؛ فتلك هي شجاعة الحكيم.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير