تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

واختلفوا في الأخير، الذي لم يأت في القرآن ما يصدقه أو يكذبه، وهو محل الخلاف إذا قلنا: اختلف في حكم تفسير القرآن بالإسرائيليات.

وهو الذي نستعرضه - إن شاء الله مبينين حكمه بعد عرض الأقوال فيه.

رابعا: ذكر الخلاف في النوع الثالث من الإسرائيليات: قلنا: قد اختلفوا فيما إذا كانت الإسرائيليات من النوع الثالث المذكور؛ وهو ما لم يأت في القرآن ما يصدقه وما يكذبه على قولين، بيانهما:

الأول: قول من قال: تجوز روايته والاستشهاد به، وممن نص على ذلك الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في مقدمة تفسيره، وأنا أسوق كلامه في المسألة فيما يأتي:

قال:

"ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره، عن هذين الرجلين: عبد الله بن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب، التي أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "بَلِّغوا عني ولو آية، وحَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج، ومن كذب عَلَىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري عن عبد الله؛ ولهذا كان عبد الله بن عمرو يوم اليرموك قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك.

ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام:

أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.

والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.

والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني؛ ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدّتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. ولكن نَقْلُ الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف: 22]، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث، فدل على صحته إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما، ثم أرشد على أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فقال في مثل هذا: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ} فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس، ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: {فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا} أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب".اهـ

قلت: هذا كلامه رحمه الله، إذ نص على جواز رواية هذه الإسرائيليات وفق الضابط الذي ذكره.

ولا شك أن كثيرا من المفسرين رأوا في رواية الإسرائيليات سعة، ودليله: كثرة ما رواه بعضهم في تفسيره من روايات، مثل: شيخ المفسرين: ابن جرير الطبري، والسيوطي في تفسيره الدر المأثور في التفسير بالمأثور، وغيرهما كثير من المفسرين.

ولكن لا بدّ في هذا المقام من بيان ملاحظة مهمة جدا، وهو أن المفسرين هؤلاء قد كان منهم المكثر في الأخذ من الإسرائيليات ومنهم المقل، فابن كثير مثلا من المقلين في تفسيره من التعرض للإسرائيليات، حيث التزم بالشرط الذي اشترطه لروايتها كما في مقدمته إلى حد بعيد.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير