تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

القرآن الكريم مصلحاً. د. خالد بن عبد الله المزيني

ـ[تيسير الغول]ــــــــ[02 Oct 2010, 06:29 ص]ـ

هذه مقالة جاءتني عن طريق البريد من أحد الزملاء. أحببت أن أشرك بها غيري فتعم الفائدة. والله المستعان

القرآن الكريم مصلحاً

د. خالد بن عبد الله المزيني

17 شوال 1431هـ

إذا كان الشيء عظيماً كثرت أسماؤه وألقابه ونعوته وأوصافه، هذا من مطرد القواعد عند الأمم عربهم وعجمهم، ولما كان للقرآن العظيم بين الكتب مكانة لا يدانيها غيره، كثرت له الأسماء والألقاب، وقد أورد الإمام مجد الدين الفيروزآبادي (761هـ) مائة اسمٍ للقرآن الكريم، ساقها على نسقٍ واحد في كتابه بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز [(1/ 88)]، فذكر منها القرآن العظيم والعزيز والمجيد والنور والحكيم وغيرها، حتى إنه سمي (الكتاب) كأن لا كتاب غيره، قال تعالى: (حَم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الزخرف (1 - 3)]، والكتاب هو القرآن بإجماع المسلمين كما نقله الإمام ابن قدامة (620هـ) في روضة الناظر [(1/ 178)]، ولهذا لم يختلف أهل القبلة في مرجعيته والاحتجاج به وبنصوصه ومعانيه عند الاختلاف، وقد حكى الإمام أبو محمد ابن حزم (456هـ) في الإحكام [(1/ 110)] إجماع الفرق المنتمية إلى الإسلام من سنة ومعتزلة وخوارج ومرجئة وزيدية على وجوب الأخذ بما في القرآن. وعلماء الإسلام يتفاوتون في الرسوخ العلمي بحسب قرآنيتهم، كما قال الإمام الشافعي في الرسالة (19): " والناسُ في العلمِ طبقات؛ موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم بالقرآن ".

وهذه العظمة لها مسوغاتها، ففضلاً عن كون الكتاب الكريم (كلام) الله تعالى وتقدس، وحسبك بهذه الفضيلة، ففضله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر الناس، ذكره الترمذي من حديث أبي سعيد رضي الله عنه وفي سنده ضعف. فإن عظمة التأثير التي أحدثها القرآن الكريم في البشرية لا يدانيها أي شيء آخر، فما زالت الأمم تتعاطى صنوف الحكمة وضروب الفلسفة فما تزيد على أن تكون مسكنات ما تلبث أن تنتقض أمام طائف الشبهة أو نازغ الشهوة، وأحدثك عن نفسي فقد ألتزمت قبل سنوات قراءة ما كتبه خصوم القرآن والطاعنين في حجيته وقدسيته من عتاة المتقدمين والمتأخرين، وجردت كماً كبيراً من مؤلفاتهم من هذا النمط، فكانت تقع لي الشبهات العاتية التي تكاد تعصف بيقين هذا العبد الضعيف، فما هو إلا أن أعاود قراءة آيات من كتاب الله حتى تطيح عني تلك الشبهات الفلسفية وتتبدد أمامي تبدد مساكن العنكبوت، وصدق ربي عز اسمه {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة (2)]، والله قدير.

إن من أسرار هذا الكتاب المعجز أنه أعاد أول ما نزل – وما زال - العقل البشري إلى فطرته الأولى، وقام بتنظيف تجاويفه من خرافات الجاهلية الوثنية، وشبهات الفلسفة الوضعية التي كانت رحلة بشرية للبحث عن الحكمة المفقودة، فشقي الإنسان وما حصل منها شيئاً يذكر سوى قواعد رثة من منطق صوري بليد، حتى جاء القرآن ليعرضها غراء نقية من شوائب الجهل والظلم حتى شهقت أمام حججه وبراهينه عقول أذكياء الأمم، وعالج أمراض النفس البشرية وتتبع أقصى دائها فشفاها، ثم اتجه إلى رصد الظواهر المحيطة بالإنسان وربطها بأسبابها وغاياتها التي وجدت من أجلها، وألغى الأساطير الجاهلية التي تعزو تلك الظواهر إلى قوى خفية مبعثرة ومجهولة، وعمد إلى بناء المفاهيم الكبرى المتعلقة بالتوحيد والعبادة والخالق والمخلوق والحق والباطل والخير والشر والدنيا والآخرة، ونظم طرائق التفكير ودعا إلى تشغيل العقل تفكراً وتدبراً، وحث على التفكير الفردي والتفكير المؤسسي، في ترسلات لفظية بالغة الروعة، تحفز الإنسان على التحرر من معاني الفسوق والعصيان إلى العبادة الاختيارية الحرة، ومن الكسل والاستخذاء إلى العمران والبناء، وهدم أصنام الاتكال والأماني وحث على العمل والاجتهاد ووزع الواجبات {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير