تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

و الفعل الثاني: اُعللتُ – و هو من عل الانسان علة: مرض فهو معلول، و علة أبو العلاء المعري في لزومه داره، و في فقده لنظره و في شؤمه ا يضاً حيث يقول:

أراني في الثلاثة من سجوني فلا تسأل عن الخبر النبيث

لفقدي ناظري ولزوم بيتي وكون النفس في الجسم الخبيث

و كل هذه السجون أو العلل مرتبطة بالفعل (قال) الأجوف الوسط، و الذى حار فيه أطبة الصرف، فهل عينه أصلها الواو أو الياء.

أما علة أبو العلاء فهي قديمة قِدَم علة (قال) السابقة، و لأن علته هذه قديمة فهو أصبح مقيداً

تماماً كأرجوزة (رؤبة بن العجاج) المقيدة الآخر (الساكنة) ا لتي يقول فيها:

وقاتم الاعماق خاو المخترقْ مشتبه الأعلام لماع الخفقْ

يكل وفد الريح من حيث انخرقْ

و الفعل ا لثالث: شعرت - وهو من شعر، يشعر أ و يستشعر، و كل هذا يجيء من المعاشرة

للقوم، و هذا الفعل غير خاص بأبي العلاء فقط، لأن الشعورعام، لكن ما شعر به أبو العلاء خاص.

و الفعل ا لرا بع: وجدت – و هو من الوجود .. و هو يتصل مباشرة بالانسان و أحوا ل الدنيا،

و ما بها من حسن ظاهر و قبح ضامر.

و الفعل هنا مرتبط بالدنيا التي يشبهها أبو العلاء بحسناء في ثوب زفافها لكنها طامث فهي دنسة.

فكل الأفعال السابقة تتصل بأبي العلاء مباشرة، لكن يبقى إستفهامه الذي يربطها في عقد واحد

تتسلسل حباته و لا تنقطع، لأن أبا العلاء إ رتضى لنفسه معاشرة القوم.

فهناك فعل آخر يخدم الأفعال الأربعة السابقة إذ يقول أبو العلاء:

مُلَ المقام فكم أعاشر أمَّةً أمرت بغير صلاحها أُمراؤُها

و المقصود هنا الفعل (أعاشر) و هو من إعتشر ا لقوم أى تخالطوا أو تصاحبوا، فهو يوحي باستمرار المعاشرة.

و هناك أيضاً مستوى خاص من الأفعال: و هذه الأفعال ناقلة للرسالة، أ لح عليها أبو العلاء،

و معظم هذه الأفعال إما منفية أو (منكسرة):

لم يقدر – أعيا، من الإعياء – تستبد من الإستبداد – فترت، من الفتور – لم تفتر – مُلَّ، من الملل – أمرت بغير صلاحها – لا تقتني – عدوا مصالحها – لا تستقم – راح.

و هناك إ رتباط بين الأفعال الخاصة بأبي العلاء و الأفعال الخادمة لها، و الأفعال الناقلة للرسالة،

ففي الأربعة أ بيات الأولى نلاحظ (الغدو) و إرتباطه بقصيدة « رؤبة » الساكنة ... المقيدة،

و هذا ما جعل أبو العلاء يشعر من قبل بعلته القديمة ا لتي تشبه الي حد ما علة (قال)،

و هذه العلة أيضاً جعلته قعيد، (طا ل الثواء) حيث إعترض جسده (صحراؤه) علي ضم مفاصله

التي ضعفت من جَرَّاء جلوسه و قعوده. و حتي ينقلنا أبو العلاء الي الأبيات التالية، يذكر أن مفاصله لم تفتر فقط من جَرَّاء القعود، بل فترت من الأحداث الجسام التي تحملها، و كذلك من الهموم الكبيرة و الكثيرة التي يبيت فيها.

و في الأربعة أبيات التالية، إعتراض صريح و واضح ضد أمراء البلاد الذين أ فسدوا الحكم،

و ظلموا الرعية و سلبوهم حقوقهم و تركوا مصالحهم – و الأجدر أن يحافظوا علي هذه المصالح –

بل مما زاد الداء علة، أن هؤلاء الأمراء أشاعوا الفساد في الأرض، و لم يستطع أن يقترب منهم

إلا الشعراء المنافقين المداحين .. و كذلك فهم زعموا أنهم أغنياء و كرماء، لكنهم أجادوا حبس

ثرائهم، فهم يمتلكون الكثير و يضنون بالقليل علي شعبهم.

و ينتقل بنا أبو العلاء بعد ذلك الي صورة أخري ليعرض لنا مدى التشابه بين فساد الأمراء في تلك

الأمة والنفس المتقلبة فيقول .. مهما تجاوزت نفوس هؤلاء الأمراء حدها من بأس و قوة – كالبعوضة

التي تعرف كيف تبعض – ستتغير تلك النفوس حتماً، و ستنتقم علي نفسها، و يلفظ بعضها البعض،

كما يلفظ السامع الجيد للشعر، الحرف الزائد في قصيدة موزونة، لأن الزيادة في الحروف تعني الإقواء، و هو عيب من عيوب القافية.

فأما اذا بقيت أحوال الأمراء علي ما هي عليه، من إشاعة الفساد و الإستزادة من الثروات، و إذا ما

إطمأنوا مل الإطمئنان الي ذلك و أخذوا بعضاً من راحتهم، و ناموا و سُروا لنومهم لأنهم أُجهدوا

في جمع تلك الثروات، فحياتهم ستتناقص تدريجياً، و لأنهم مسرورن بنفسهم لأن فيه إستزادة،

و هم يودون الإستزادة من كل شيء، فكان ثمن هذا الكرى، هو حياتهم التي ستنتهي ولا محالة.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير