تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

• وجملة (بقصد الاتعاظ والاعتبار): هي نتيجة التدبر وثمرته، كما قال تعالى: (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ). ومما يدل على كون هذا هو المراد بالتدبر؛ توجيه الخطاب في الآيات الآمرة به للكفار والمنافقين، والمقصود من ذلك اتعاظهم بما ورد في القرآن، واعتبارهم الهادي إلى الإيمان واتباع الشرع. وهكذا يكون المقصود عند تعميم الأمر ليشمل المسلمين فالتدبر متوجه إلى اتعاظ القلب واعتباره مما يُثمر بعد ذلك آثاراً دالة على الخشوع: كوَجِل القلب، والبكاء، والخشية، وزيادة الإيمان، وغير ذلك مما ذكره الله تعالى في كتابه نتيجة التأثر بالقرآن كما في قوله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة:83). وقوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر:23). وقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال:2).

قال الزمخشري: " وتدبر الآيات: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة، لأن من اقتنع بظاهر المتلو، لم يحل منه بكثير طائل وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحلبها، ومهرة نثور لا يستولدها. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله: حفظوا حروفه وضيعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفاً، وقد والله أسقطه كله، ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل، والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، والله ما هؤلاء بالحكماء ولا الوزعة، لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء. اللهم اجعلنا من العلماء المتدبرين، وأعذنا من القراء المتكبرين " (23).

أو يمكن أن يقال في تعريفه:

(تأمل القرآن بقصد الاتعاظ والامتثال)

فنضيف كلمة الامتثال ليعم العمل بالنصوص وتنزيلها على الحياة.

المبحث الرابع

(العلاقة بين التدبر والاستنباط)

الاستنباط في اللغة:

هو الاستخراج (24)، استفعال من أَنْبَطْتُ كذا (25) ومنه قوله تعالى: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: من الآية83) أي: يستخرجونه (26).

وإِنْبَاطُ الماء، واسْتِنْبَاطُه: إِخْرَاجُه، واسْتِخْرَاجُه (27).

ويَظْهَرُ من استعمالات العلماء لمادة نبط؛ أن لفظ الاستنباط في اللغة يُستخدم لكل ما أُخْرِجَ أو أُظْهِرَ بعد خفاءٍ. ويدل على ذلك صراحةً الأقوالُ التالية:

قال ابن جرير الطبري: "وكل مستخرج شيئاً، كان مستتراً عن أبصار العيون، أو عن معارف القلوب؛ فهو له مستنبط" (28).

وقال ابن دريد: "وكل شيء أظهرته بعد خفائه، فقد أنبطته واستنبطته ... واستنبطتُ هذا الأمرَ، إذا فَكَّرت فيه فظهر" (29).

وقال المنتجب الهمداني: "يقال لكل ما استخرج حتى تقع عليه رؤيةُ العيونِ، أو معرفةُ القلوبِ؛ قد اسْتُنْبِط" (30).

وقال الزبيدي: "وكل ما أُظهر بعد خفاءٍ فقد أُنْبِطَ واسْتُنْبِطَ، وفي البصائر: وكل شيء أظهرته بعد خفائه، فقد أنبطته واستنبطته" (31).

ومما سبق يتبين أن معنى الاستنباط في اللغة هو: الاستخراج أو الإظهار بعد الخفاء.

وأما الاستنباط في الاصطلاح: فقد عرفه غير واحد من العلماء ومن تلك التعاريف:

1 - قال ابن جرير الطبري:

(وكل مستخرج شيئاً، كان مستتراً عن أبصار العيون، أو عن معارف القلوب؛ فهو له مستنبط) (32).

2 - قال الجصاص:

(اسم لكل ما استخرج حتى تقع عليه رؤية العيون، أو معرفة القلوب، والاستنباط في الشرع: نظير الاستدلال، والاستعلام) (33).

3 - قال الماوردي:

(والاستنباط: مختصٌّ باستخراج المعاني من النصوص) (34).

4 - قال الزمخشري:

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير