تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[النظم القرآني , وفائدته للمفسرين والبلاغيين.]

ـ[رشا الزيد]ــــــــ[22 Dec 2006, 07:40 ص]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام على أهل هذا الملتقى المبارك , ورحمته وبركاته , وبعد:

منذ أن قدر الله تعالى نزول القرآن الكريم , ليكون مصدر تشريع المسلمين , في زمن اشتهر بالبلاغة والفصاحة , فأصبح معجزة لهم , وسبباً لهدايتهم , منذ ذلك الحين , وأفهام أبناء العربية وغيرهم تتناقل الحديث عن فضلة , وقوة تأثيره في النفس , ولهذا السبب بدأت العقول تبحث عن سر إعجازه للعرب قاطبة , حتى ظهرت لنا اجتهادات في بعضها قبول , وفي جلّها رد؛ فمنهم من رد إعجاز القرآن لبلاغته , ومنهم من رده لإخباره بالأمور المستقبلة , ومنهم من رده للصرفة - وهذا بعيد أشد البعد - إذ يقال بأن القرآن معجز بالصرفة , وأن الله تعالى صرف أذهان العباد عن الإتيان بمثله , ولولا الصرفة لاستطاع أبناء الفصاحة أن يماثلوه!

ولقد استمرت الأذهان في هذا التخبط إلى أن وصلت إلينا اجتهادات الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) , والتي من شأنها أن أنشأت البوابة الأولى للإعجاز القرآني , وقد بحث في كتابه بحثاً عميقاً وجديراً بالاهتمام , اعتنى فيه بالرد على المعتزلة , ومن وجهوا في إعجاز القرآن وِجهة بعيدة , ناهيك عن اكتشافه لنظرية (النظم) التي أتى من خلالها هذا الإعجاز المبهر.

و النظم في اللغة: " التأليف , نظمه , ينظمه , نظماً ونظاماً ونظمه فانتظم وتنظم " " ونظمت اللؤلؤ , أي جمعته في السلك , والتنظيم مثله , وفيه نظمت الشعر وتنظمته " " وكل شئ قرنته بآخر أو ضممت بعضه إلى بعض فقد نظمته "

كما ورد: " من معاني نظم: نظم الأشياء ألفها وضم بعضها إلى بعض " , " وانتظم الشئ تألق واتسق " (1)

ونرى بأن عبدالقاهر يحاول بشتى الطرق أن يبرز ويوضح موقفه وقصده بالنظم , وقد وفق في ذلك أشد التوفيق , وقد أخذت هذه القضية الشهرة بكتابه (الدلائل) وتناقلها الشراح بتوضيح مرامه في كتابه , فاقتبس المتأخرون منه في مصنافاتهم قواعد خصصت بعلم المعاني فيما بعد , لأن قضية النظم عند عبد القاهر عرفت فيما بعد بعلم المعاني على غرار السائرين على مدرسة السكاكي.

ومن إشاراته لتوضيح معنى النظم عامة , وفي القرآن الكريم خاصة , بأنه ينفي كون النظم راجع للألفاظ نفسها , بدليل هو أقرب إلى الفلسفة العقلية , فهو يرى بأن الأمر لو كان كذلك -أي لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه - لما اختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه لأنهما يحسان بتوالي الألفاظ في النطق إحساساً واحداً , ولا يعرف أحدهما في ذلك شيئاً يجهله الآخر (2)

فكون السياق يأتي بلفظ دون الآخر, وكون اللفظة تأتي مفردة دون جمع أو مذكرة دون تعريف , أو ماضية دون الحاضر .... الخ , كل هذه الأشياء لابد أن تحدث في الإنسان نوعاً من التأني والتصوب الفكري وإعمال العقل شيئاً فشيئاً , ولا يكون ذلك للجاهل بل للعالم بأصول العربية وضوابطها , ولصاحب الذكاء والفطنة , والعالم بمعاني الألفاظ وأسرارها.

ومفردات القرآن تجري كما تجري أي مفردات على الألسن , لكن القرآن يأتي بتلك المفردات بشكل معجز, بينما لو أخذت تلك المفردة ووضعت في غير نظم القرآن لها لما أتت بلاغتها وإعجازها كما هي في القرآن. (3)

وقد مثل عبدالقاهر لناظم الكلام مثل من يأخذ قطعاً من الذهب والفضة فيذيبهما في بعض حتى يصيران قطعة واحدة , ومثال ذلك قول أحدهم: " ضرب زيد عمرا يوم الجمعة ضرباً شديداً تأديباً له " فينتج لك من مجموع هذه الكلمات معنى واحد لا عدة معاني كما يتوهمه الناس , وذلك لأنه لم يأت بهذه الكلم لتفيده أنفس معانيها , وإنما جاء بها لتفيده وجوه التعلق التي بين الفعل الذي هو (ضرب) , وبين ما عمل فيه , والأحكام التي هي محصول التعلق. (4)

والبحث في منهج عبد القاهر يحتاج لوقت وجهد كبيرين , ولكن حسبي ههنا الإشارة إلى مفهوم النظم القرآني , وكيفية التعامل معه , لإخراج نكت القرآن الكريم , سواء بالنسبة للمفسرين عامة , أو البلاغيين منهم بخاصة.

أسأل الله تعالى أن ينفع بما قلت , وأن يسخرنا لخدمة كتابه العزيز الذي لاتنقضي عجائبة - كما ثبت في الأثر - إنه خير معين ,,

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,,,,

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير