تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

من سياقها وحرف معناها لتؤيد نصاً ثانويا مروي في ضوئها .. إلى معنى يناقض المعنى المستحصل من ترابط السياق أو حتى يخالفه. وهذه المعاني المخالفة للسياق لا يمكن حصرها من الناحية النظرية، لكن لما كان الماضي قد أنتج نصوصاً وانتهى زمن إنتاجها أمكن حصر نصوص الماضي على سعتها وامتدادها ومن ثم أمكن حصر المعاني المغايرة للسياق القرآني الأول [كان هذا الأمر غير ممكن قبل العصر الرقمي]. وهذا الحصر أوالجمع أحد أهم وظائف المفسر المعاصر إذا ما أراد أن يثبت لنفسه مكاناً في التفسير المعاصر المتميّز. وتترتب هذه المعاني من حيث الأهمية بحسب اقترابها من المعنى المتحصل من ترابط السياق، فمنها ما يمكن أن يَُّّعد معنى مقبولاً ومنها ما يعد محتملا بعيدا ومنها ما يجب حذفه ونبذه ورفضه. وقد لاحظتُ من خلال اطلاعي علىكتب التفسير ولا سيما مسائل الخلافات العقدية انتصار المفسر للمعنى المغاير للسياق أحياناً إذا كان هذا المعنى المذهوب إليه ينصر معتقده. وقد بالغ بعض الناس في اتهام بعض في هذا الباب كما فعل ابن المنير مع صاحب الكشاف. وهذا الذي نأخذه على بعض الناس ممن ينصرون أيديولوجياتهم وعقائدهم هو حالة فطرية في الإنسان، أشار إليهاأحدهم بقوله [والحكمة ضالة المؤمن]: (لقد اكتشفنا أن رغباتنا وأهواءنا تتقنع بقناع العقل، وتخدع فهومنا) ولما كان عقل أي إنسان لا يستغني عن المثال إذ المثال صورة محسوسة توضح أي شرح أو تنظير. ونكاد في كثير من أوقاتنا لا نفهم دون مثال ولا سيما في عالم مكتظ بالأحداث والأشياء ترهق أقوى الذاكرات- نورد هذا المثال، وسيتضح من المثال الذي أورده شيئان أحدهما أن السياق يختلف سعة وعمقا ولا يوجد نص بمفرده يشمل الدلالة، ولذلك سوف نحذِّر من أن نعد السياق أكبر وحدة دلالية، فهو أكبر وحدة داخل النص أما الواقع التاريخي الاجتماعي لعصر انبثاق النص فهو جزء لا يتجزء من الدلالة وقد يطلق عليه السياق التاريخي الاجتماعي تمييزا له عن السياق اللغوي. (وفي علم التفسير يكون إحاطة المفسر بالأحداث التاريخية والسيرة النبوية ضرورية عند الوصول إلى هذه الوحدة التفسيرية) والمقارنة بين السياقين في خصوص النص القرآني هي نوع من العلم جميل وجديد ولذيذ. والشيء الثاني الذي سيتضح من المثال الجائي عما قليل هو أن السياق أهم وحدة دلالية لغوية لا العكس. فخط الفهم في العقل البشري يسير من العموم نحو الخصوص وليس العكس. ولذلك تكون الوحدات الكبرى أهم من الوحدات الصغرى، وهذا قد أثبتته مدرسة الجشطالت تجريبيا على البنى الصغرى بقاعدتها (الكل يختلف عن مجموع أجزائه) ولكي لا يتشعب بنا الموضوع نحصر أنفسنا ضمن السياق القرآني ونورد مثالايوضح ما تقدم من كلام: فالله تعالى يخاطب نساء النبي بقوله (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ولما كانت النظرية النحوية القديمة تجيز اعتبار الجملة أكبر وحدة دلالية فقد اقتطعت فرق هذه الآية من سياقها مع الجمل الأخرةى وقوانين الخطاب، وعدت هذه الآية دليلا على عصمة أناس خارج السياق ولا علاقة لهم به. وهذا ما أغضب أحد أساطين التفسير من تلاميذ ابن عباس (عكرمة) فجعله يقول: من شاء باهلته أنها لنساء النبي خاصة. وقد روى المحدثون ومنهم مسلم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية أمام علي وفاطمة وحسنا وحسينا، وهذا الحديث يعدّ في علم الدلالة نصًّا ثانويا مرويا في ضوء النص، فلا تقبل قوانين علم الدلالة اليوم بحال أن يخضع ترابط السياق لأي نص مروي في ضوئه، ولذلك يعد هذا المعنى الذي رواه المحدثون كمسلم موسِّعا للسياق ومضيفا معنى آخر. لا يرضاه عكرمة ولا الذين لديهم استقلال عن أيديولوجيا علماء الحديث في الثقة بمروياتهم. وهذه الثقة نفسها تشكل ثقافي لا يكتسب حجة بذاته، وهذا موضوع آخر [ليس القصد أنهم يردون الحديث بل أن يجعلونه أساس فهم الآية ويقدمونه على السياق اللغوي، فهذا غير ممكن إطلاقا من هذه الزاوية] لكن مفهوم السياق يمكن أن ينقذ الأمة من كثير من الأخطاء التي وقع فيها المؤلفون على التاريخ. فثقافة الأمة العالمة (مفسرو السلف والمعتزلة ومن تأثر بهم وأهل السنة والزيدية) كانوا أكثر احتراما للسياق ومن ثم أقرب الى قوانين علم الدلالة المعاصر من الفرق الأخرى. فقد قام مفسرون ينتسبون إلى

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير