فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ـ[السراج]ــــــــ[26 - 11 - 2009, 01:03 م]ـ

أخي الكريم: السراج تحليل جميل وممتع أبحرت معك في زوايا تحليلك

فحبُّ الجمال فطرةٌ في النفس الإِنسانية، فهي بقوة فطرية قاسرة تميل إليه، وتنجذب نحوه، وليس بمستطاع النفوس أنْ تغيِّر فطرها التي فطرها البارىء المصوِّر عليها.

والجمال شيء يصعب تحديده، ولكن باستطاعة النفوس أنْ تحسّ به وتتذوّقه متى أدركته، وعندئذٍ تميل إليه وتَنْجَذِب نحوه، وتأنس به، وترتاح إليه، وتَسْعَدُ بالاستمتاع بلذّة إحساس المشاعر به ولو تخيُّلاً.

بارك الله فيك ترانيم، وإن من اسمك لحظّا، فما كتبتيه من كلمات شفافة راقية مزكية هي ترانيم حروف ..

ثم إني بإذن الله سأواصل ذلك ..

ـ[السراج]ــــــــ[26 - 11 - 2009, 10:41 م]ـ

وَما كانَ إِلّا مالَ مَن قَلَّ مالُه=وَذُخراً لِمَن أَمسى وَلَيسَ لَهُ ذُخرُ

كيف استطاع هذا الشاعر العبقري نفي كل المحاسن عن المرثي وحصر شخصيته في إثبات شيئين فقط: صفتين!

اختصر هذا الشُجاع في شيئين؛ شيئان هما كل شيء فما كان الطوسي إلا مالاً وهل تستقيم الحياة إلا به!

لكن هذا المال لمن هو في أشدّ الحاجة إليه وأكثر الحاجة به ..

إنّ الشعراء كثيراً ما ينظرون من كوّة الحروف لينسجوا - في العادة - مدائحهم للملوك والخلفاء والولاة على أساس ثابت هو الكرم، وهنا - بكل قناعة - يثبتُ أبو تمام أن هذه الصفة متأصلة في الطوسي فهو - المرثي - لا يهبَ العطايا، ولا يرسل الهباتَ لمستحقيها، ولا يُكرم الناسَ أصنافَ المؤن؛ بل كان هو المال - لمن قلّ ماله - وكفى!!

وهو الذخر: سترى أن البيت برع أبو تمام في حُسن تقسيمه بلاغياً ولفظياً. وكان محمد بن حميد الطوسي آلة الشجاعةِ والنخوة فهو بلا جدال ذخرٌ للمطالب والذي قلّ عنده المعاون.

الذي شدّني هنا في هذا الشطر عبارة - لمن أمسى - إشارةً أن الليل أكثر رعباً لمن ليس له ذخر أو معين أو حامٍ يحميه من أهوال الأحداث، فكانَ هو منبّه التربّصِ وجيشُ الاحتياط والذخرُ.

وكما في المال جعله هو الذخر (ما يحتاط به لحالك الأيام، وما يُدخر لوقت الشدة).

هما الصفتان اللتان طالما أُعجب بهما العرب في أشعارهم وأخبارهم فكان الخالدون كرماء من مثل حاتم وشجعاناً من مثل عنترة، وهاهو أبو تمام يضيف اسما جمعهما ..

ـ[ترانيم الحصاد]ــــــــ[26 - 11 - 2009, 11:04 م]ـ

تحليل جميل جداً وممتع

أتعلم أخي الكريم: السراج

أنت كاتب تكتب بحبر النفس

وتنظر إلى الحرف بعين صقر وتنساب في التحليل

يا لفرح سحر البيان عندما تختصم القصيدة مع القراءة حول أحقية أحدهما

بنسب الإبداع إليه!!

فالغوص في أعماق قراءتك يستحق الوقوف طويلاً

أشكرك على كل الوقت والجهد الذي قضيته في قراءة النص.

ـ[السراج]ــــــــ[27 - 11 - 2009, 09:22 م]ـ

تحليل جميل جداً وممتع

أتعلم أخي الكريم: السراج

أنت كاتب تكتب بحبر النفس

وتنظر إلى الحرف بعين صقر وتنساب في التحليل

يا لفرح سحر البيان عندما تختصم القصيدة مع القراءة حول أحقية أحدهما

بنسب الإبداع إليه!!

فالغوص في أعماق قراءتك يستحق الوقوف طويلاً

أشكرك على كل الوقت والجهد الذي قضيته في قراءة النص.

شهادة نادرة أعتز بها .. أختي ترانيم، وكلماتك - هذه - ستكون حروفاً خالدة.

ـ[السراج]ــــــــ[27 - 11 - 2009, 10:21 م]ـ

فَتىً كُلَّما فاضَت عُيونُ قَبيلَةٍ دَما=ضَحِكَت عَنهُ الأَحاديثُ وَالذِكرُ

أترى كيف يقابل الشطرين في مقابلة بلاغية ناردة غير صريحة، ففيضان العيون دماً هنا وضحك الأحداث هناك ..

بدأ البيت بوصف حقيقي للقائد الفتى فلم يكن محمد إلا شاباً في ثلاثينات عمره خرج من رحم البطولة وكان غرساً في تربة المعارك واستوى رمحاً مع سيفه الأشدّ كل ذلك جعله وأهّله أن يكون في ذلك العمر قائداً لجيش الخليفة.

وإنْ مات هذا الفتى وبَكَت كل قبيلته - بأسرها - حُرقةً وحزناً، بل وأكثر من ذلك، ففي وصف أبي تمام أن قبيلته فاضتْ عيونها دماً والفيضان لا يكون إلا للكثرة، وكان هو كذلك؛ كان بألف رجل نقول - إن مات - فقد أحيا الأحاديثَ والذكر والأخبار وماقام به من بطولات، أحياها بين ألسنة الناس الشاهدة على شجاعته في كل المعارك .. وكأن هذه الأحاديث تضحك متجاوزةً حزن قبيلته - فما قام به محمد ينتشي للفرح قُرباً ..

والشاعر البارع هنا ربط الفكرة بسلسة (كُلما)، فما كانت المعارك تدور وتطحن وتبكي القبيلة فقيدها حتى تسري أحاديث البطولة وذِكر الشجاعة تبرقُ ضحكاً.

فَتىً ماتَ بَينَ الضَربِ وَالطَعنِ ميتَة=تَقومُ مَقامَ النَصرِ إِذ فاتَهُ النَصرُ

أليسَ هذا تأكيدا لصغر سن هذا القائد؟

فقد أعاد صفة الفتوة مرة أخرى - لله درّه من شاعر - إزالة لإبهام بعضهم حول عمره، ثم سَرَد شرف البطولة حيثُ مات شهيداً وسط أهوال المعركة بين طعنٍ وضربٍ (ميتةً تمناها سيف الله). ميتةً هي النصرُ للقائد، هي النصر لمن حوله من آلة الجيوش؛ كيف لا وهو التي ضحكتْ أحاديث البطولة بعد استشهاده ..

وأبو تمام يؤكد في هذا البيت أن جيش القائدُ هُزم، لكن القائد ظفر بإحدى الحُسنيين (الشهادة) وهذه الشهادة - النادرة - ظفرتْ بالنصر فكان استشهاده نصراً، فما أكثر الدروس التي تلقاها من رأى وعاصر الحدث والتصق بالقائد فخراً وحتى جيوش الروم!

¥

<<  <   >  >>