تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

قال حتى أتيت على آخرها، فقال: أعد فأعدتها عليه فحفظها، ثم قال: اِخس لا يسمعن هذا منك أحد فنفتضح، قال: ثم قدمنا بيت المقدس، وجلس سليمان بن عبد الملك للناس، وأذن لأبي وقدم على الشعراء فابتدأ في قصيدتي ينشدها سليمان، وأردت أن أقوم فأقول الشعر لي، فكرهت أن أفضح أبي على رؤوس الناس، فلما فرغ وأخذ الجائزة وخرجنا قلت: يا أبة المقاسمة، قال: لا والله، ولا فلس، أي بني أنت أشعر الناس، أذهب فاطلب لنفسك، وأخرجني من عياله" (7). والذي أميل إليه هنا أن ابن العجاج استعجل في حكمه لينفرد بالجائزة، وليضع ابنه موضع عزة وقوة، وفخر يرجوه له، ويدعيه له، وإلا فلا يمكن أن نقبل حكماً قطعيًا من شاعر نسب قصيدة غيره له، وإلا فكيف بدأ الأمر برأي، وسعى كل منهما لإقناع الآخر، وليس للاستماع إلى وجهة نظره، ليتحول الموقف إلى أمر، ثم يتطور إلى حكم.

وحين يمنح شاعرٌ شاعرًا لقب الإمارة فإن ذلك يدخل تحت طائلة ما سبق، لتداخل عوامل داخلية وخارجية خفية في استصدار اللقب، وإلا فمن الظلم والتعسف منح لقب إمارة الشعر بسبب بيت أو قصيدة، ما لم يتفق على ذلك أهل الحل والعقد، فقد نال شرف هذا اللقب الشاعر كُثيِّر عزة (40 ـ 105 هـ) والقصة ذكرها أبو القاسم الأصفهاني (ت 502 هـ) يقول:" وقال كُثير أتيت جَمِيلاً استنصحه هل أظهر الشعر فأنشدته:

وَكانَ الصِبا خِدنَ الشَبابِ فَأَصبَحا وَقَد تَرَكاني في مَغانيمِها وَحدي

فقال: حسبك أنت أشعر الناس " (8). والعارفون ببواطن الأمور يدركون بداهة أن هذا الحكم إصلاحي أكثر من كونه واقعي، هدف من خلاله إلى أن يصنع من كُثيِّر شاعرًا لامعًا، وإخراجه من حالة الرُّهاب الاجتماعي التي يعيش فيها، وقد يكون لتشابه الحالة الشاعرية للشاعرين سبب في لجوء كُثيِّر لجميل، ووقوف جميل مع كُثيِّر وتشجيعه، أو حتى مجاملته؛ للحفاظ على لقبه بإثبات قوته الشعورية، وقدرته الشاعرية.

وحول ذلك ما ذكره أبو الفرج الأصفهاني (ت 356 هـ) أن الشاعر الكبير جرير بن عطية التميمي (28 – 110 هـ) منح هذا اللقب للشاعر " نصيب بن رياح" (؟ - 108 هـ) الشاعر الكبير الفحل، فقال:" عن محمد بن سلام عن خلف أن نصيبًا أنشد جريرًا شيئًا من شعره، فقال له: كيف ترى يا أبا حزرة؟ فقال: له أنت أشعر أهل جلدتك " (9) واللقب إن لم يكن صراحة فهو معدود في مرادفات الإمارة، لإفادة صيغة " أفعل " في قوله:" أشعر" صفة التفضيل، وتميز الفاضل على المفضول.

وقد نسب الشاعر أبو نواس (146 – 198 هـ) الإمارة له في قصيدة يقول فيها:

قيل أنت أشعر الناس طرّاً في رويٍ ّ تأتي به وبديه

فلماذا تركت مدح ابن موسى والخلال التي تجمّعن فيه

وقد قال ابن الأعرابي المنجم:" حضرت أبا نواس في مجلس، وأنشد شعرًا،فقال له من حضر في المجلس: أنت أشعر الناس" (10). وهذه الشهادة نتيجة موقف آني، وإعجاب وقتي، مصدرها فصَيحاتُ الكلام، وبديعاتُ النظام، صدر عن مجلس شعراء وعلم، وأدب، فعدّ شاعرها من أمراء الشعر.

وامتدادًا لمسيرة لقب الإمارة فقد ناله بعدُ الشاعر الكبير أبو العتاهية (130 ـ 211 هـ) بشهادات فردية احتفظت لشاعرها بإمارة الشعر في التاريخ، كما ذكر ذلك الأصفهاني، يقول:" أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: سمعت مصعب بن عبد الله يقول: أبو العتاهية أشعر الناس، فقلت له: بأي شيء استحق ذلك عندك؟ فقال: بقوله:

تَمَسَّكتَ بِآمالٍ طِوالٍ بَعدَ آمالِ

وَأَقبَلتَ عَلى الدُنيا بِعَزمٍ أَيَّ إِقبالِ

وَما تَنفَكُّ أَن تَكدَ حَ أَشغالاً بِأَشغالِ

فَيا هَذا تَجَهَّز لِ فِراقِ الأَهلِ وَالمالِ

فَلا بُدَّ مِنَ المَوتِ عَلى حالٍ مِنَ الحالِ (11)

ويقول:"قال عبد الله بن عبد العزيز العمري: أشعر الناس أبو العتاهية حيث يقول:

ما ضَرَّ مَن جَعلَ التُرابَ فِراشَهُ أَلّا يَنامَ عَلى الحَريرِ إِذا قَنِع" (12)

وهذه شهادة من مشارب متعددة، بسبب أبيات واقعية تكاد تخرج من باب الإعجاب إلى الإعجاز، ومن حد الشعر إلى السحر، فاستحق صاحبها لواء الشعر.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير