تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

بناء على ما سبق يمكن تعريف قواعد التفسير بأنها "ما يُستند إليه من الأدوات العلمية والمنهجية في تناول النص القرآني ويُتوصل بها إلى بيان معانيه واستخلاص فوائده".

وقد استعمل مصطلح القواعد في تسمية هذا العلم عند بعض العلماء، منهم الإمام ابن تيمية في مقدمته الشهيرة، وإن كان محققها الدكتور عدنان زرزور أخرجها تحت عنوان: "مقدمة في أصول التفسير"! ولست أدري هل كان ذلك أخذا منه بمبدأ الترادف أم كان توجيها منه ورجوعا بمصطلح القواعد إلى مصطلح الأصول، هذا المصطلح الذي له حضور تاريخي قوي، فقد نضج واستقر في تسمية علوم مكتملة كـ"أصول الدين" و"أصول الفقه" وبقدر لا بأس في "أصول الحديث"، و"أصول النحو".

وممن استعمل مصطلح "القواعد" من المعاصرين الدكتور خالد بن عثمان السبت: في كتابه " قواعد التفسير جمعا ودراسة".

وقد يَضُمُّون الأصول إلى القواعد في أسماء التآليف كما فعل خالد عبد الرحمن العك في "أصول التفسير وقواعده".

ومن المصطلحات الواردة في هذا المقام لكنها قليلة الاستعمال: "ضوابط التفسير" و"أسس التفسير".

رابعا: الحاجة إلى قواعد التفسير:

يدفعنا إلى الحديث عن هذه المسألة ما لها من أثر في التفسير كمّاً وكيفا، إذ الوسيلة تتحدد بمقدار تحديد الهدف. وليست الوسيلة هاهنا إلا القواعد، ولا الهدف إلا الكشف والبيان عن مضامين القرآن. لكن لما كان البيان يتراوح بين اختصار وتفصيل، وبين إشارة وتدقيق، وكانت المضامين تتنوع إلى معان ومفاهيم تحملها الألفاظ والتراكيب، وحكم مستفادة (10)، وأحكام مستنبطة تُحَصَّلُ وتُستخلص من ثناياها، وقضايا ومسائل تجمع وتركب فتكشف عن رؤية القرآن المستوعبة للإنسان والكون والحياة، ومقاصد عامة تتحرك في أجواءها الكلمات (11)

لما كان كل ذلك كذلك كانت الوسيلة ولا شك مختلفة كذلك، وقد مر بنا تعريف الشيخ ابن عاشور منبها على هذه الأبعاد والآفاق، التي على الرغم من شساعتها لا تخرج عن حد التفسير. وهذا يدل على خطر هذا العلم؛ إذ ميدانه نص لا كسائر النصوص، فصار بذلك أحرى بالتزام القواعد وأدعى للوقوف عند الضوابط.

وقد أحسن من تحدث عن المقدمات قبل القواعد، وهي من أهم ما ينبغي العناية به قبل اقتحام هذا الميدان. والكلام عن المقدمات مبثوث في كتب التفسير وعلوم القرآن. ومن العلماء من أفرده بتأليف أو بحديث ومن ذلك رسالة الأستاذ أبي الأعلى المودودي: "مبادئ أساسية لفهم القرآن". والكلام في هذه المقدمات يدور حول ما ينبه على خصوصية هذا الخطاب من حيث طبيعته النابعة من الوحي الخالص، ومن حيث مصدره والمخاطِب به الذي هو الله جل جلاله: (قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض) (الفرقان:6) (12)، ومن حيث لغة الخطاب التي هي العربية في صورتها النموذجية وطبقتها العليا، ومن حيث أسلوبه الذي –بكماله وجلاله وجماله- أعجز البلغاء، ومن حيث موضوعه والمخاطَب به الذي هو الإنسان أي إنسان، ذاك الذي انطوى فيه العالم الأكبر، وما يتعلق به تاريخا وحاضرا ومصيرا، ومن حيث العلاقة التي ينبغي أن تربط بين الإنسان وبين هذا الخطاب: وهي الإيمان فالاستماع فالتدبر فالفهم فالاهتداء فالاتباع، ومن حيث كلياته ومقاصده الكبرى التي اجتمعت فيها المصالح والمنافع كلها، ومن حيث ألفاظه واصطلاحاته التي اصطفاها واستعملها، وعاداتُه التي دأب عليها فصارت بذلك من خصائصه التعبيرية، ومن حيث منهجه في التأليف حيث خالف سائر المناهج قصدا من الحكيم جل وعز.

فهذه الاعتبارات وما في حكمها هي التي تنبه على خصوصية الخطاب مقالا ومقاما، وتشهد على الأثر البليغ الذي لها قبل غيرها في الكشف عن مضامين القرآن أي في التفسير. وفي ضوء تلك المقدمات المتينة ندرك السر في عبارة الصديق رضي الله عنه: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي" (13).

إن التأكيد على هذه المقدمات هو الذي يقطع الطريق -ابتداء- على كل من عدم أهلية الخوض في هذا الميدان، من صفاء في القصد وصحة في المنطلق ووضوح في التصور وسلامة في المنهج واكتمال في الأداة.

ثالثا: استمداد قواعد التفسير:

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير