تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

دخلتِ البقرةُ فوجدتِ الطفلَ قد لفَ بخرقةٍ وكان من عادتِ نساءِ تلكَ الديارِ أنهنَّ يُضمخنَ الوليدَ بسائلٍ حفاظاً على إهابهِ الرقيقِ من الذرِ وخشاشِ الأرضِ وكان هذا السائلُ يجذبُ الدوابَ فأمتهُ فشمتهُ فلاكتهُ فصرخَ الطفلُ صرخةً كانتْ بمسمعٍ من أمهِ!

فانتبهتْ ورمتْ ما في يدها وكادَ لبُّها أن يطيرَ وقلبها أن يذوبَ وركضتْ كالمجنونةِ لا تلوي على شيءٍ فإذا طفلها تكادُ كبدهُ تنصدعُ من شدةِ البكاءِ والألمِ.

فانكبتْ أمهُ تبكي وتقبلهُ وتضمهُ إلى صدرها وشقتْ نطاقاً كان على رأسها وعصبتْ به يدَ الطفلِ .. ! فأشفقتْ (أم محمدٍ) عليها وكأنَّ الندمَ قد خالطَ فؤادها.

ثم علمَ (أبو محمدٍ) بما جرى حينَ عادَ إلى الدارِ مع سوادِ الليلِ فما بضتْ عينهُ ولا جزعَ بل صبرَ واحتسبَ.

فهبطَ. الليلُ والحزنُ والهمُ على قلبِ أبويهِ فلم يستطيعا عملَ شيءٍ سوى الصبرِ والسهرِ بجانبهِ والنظرِ إلى يدهِ التي قد شلتْ وربطتْ بخرقةٍ خلقةٍ…!

و تجافتْ (أم محمدٍ) عن مضجعها فما زالَ فكرها في سماءِ ذلكَ الموقفِ تلومُ نفسها وتتجرعُ حسرتها أن خلتْ بين البقرةِ والوليدِ المسكينِ الذي أصبحَ مشلولَ اليدِ.

فكثرتِ الوساوسُ في صدرها حتى كادتْ تجنُ فطفقتْ تبكي لأمِ الذنبِ بعدَ أن عادَ إليها عقلُّها!

فلم يبتْ هذا البيتُ إلا على النشيجِ والبكاءِ!

مشى الطفلُ ويفعَ وترعرعَ وجريمتها في يدهِ تلاحقها فكلما كبرُ كبرُ حزنها وكلما نما نما حسرها حتى أهزلها وأضعف بدنها فضاقتْ بهذا فاحتجبتْ عنهُ مدعيةً أنهُ أزعجها وهي قدْ كبرتْ وضعفتْ عن الاحتمالِ والصبرِ.

ومما زادَ ألمها ألماً وحسرتها حسرةً برهُ بها فقدْ تعدى برهُ بأبويهِ حتى وصلها فكانَ يقضي حاجاتِ البيتِ كلِّه ويقومُ على شؤونهِ كلِّه!!!

ماتتْ أمهُ حينَ بلغَ سنَ الرشدِ وأوغلَ في العشرينِ وتبعها أبوهُ وهو واقفٌ على سنِ الثلاثينِ!! فلم يبقَ في البيتِ سواهما!!

فدخلَ عليها مرةً وقالَ يا أماهُ مازلتُ أرى فيكِ بقيةً من أبويَّ فقدْ كنتِ معهم خليطةً كريمةً طيبةَ العشرةِ حسنةَ الجوارِ.

وإني ما زلتُ في الإحسانِ إليك ِ مقصراً وفي البر بك مذنبا وأريدُ التكفير عن ذلك بأن أبلغك بيت الله الحرام لتؤدين منسكِ الحجِ فكادَ قلبها أن يطيرَ من الفرحِ فقالتْ: يا بني ... فحصرَ الدمعُ صوتها فلم تستطعِ الإعراب عما تكنهُ من محبةٍ ورضا وشكرٍ فكانت الدموعُ أبلغَ ما جادتْ به نفسها وكذا الإنسانُ إذا أعجزته نعمةٌ أو نقمةٌ بكى!

فرحلا إلى الحرمِ في أولِ قافلةٍ سارتْ فأما بيتَ اللهِ الحرام فكان معها في السفرِ كما كان في الحضرِ كان حسنُ خلقهِ وبرهِ يخففُ وغثاء وعناء الطريق ويزيدُ من صبرها وتجلدها.

ثم دخلا الحرمَ بعد سيرِ شهورٍ فطافا طوافَ القدومِ والشمسُ في قنةِ (1) السماءِ وفراشُ الجمرِ قدْ فرشَ وحواشي الكعبةِ كأنها تنورٌ قد سُجر منذُ سنين والطوافُ مزدحمٌ فالكتفُ بجانب الكتفِ والقدمُ على القدمِ ولو رميتَ بإبرةٍ لما وقعتْ إلا على رأسِ حاجٍ أو حاجةٍ!. فزلتْ قدمُ (أم محمدٍ) في هذا الموقفِ فسقطتْ!

فحجبَ الناسُ الهواءُ الباردُ فحمي جسمها وكادتْ أن تختنقَ فقاربتْ الموتَ وجاورتِ الهلاكَ فلم يجدِ الابنُ إلا يدهُ (الشلاءَ) .. !! يستعينُ بها بعد اللهِ في هذا اللحظةِ الحرجةِ فدسها بين الناسِ فرأتها (أم محمدٍ) ... !

فاستعبرَ الشيخُ ثم بكى فارتفعَ نشيجُ الحضورِ ونكسوا رؤوسهم فأتمَّ الشيخُ حديثهَُ:

فرأتها (أم محمدٍ) وتذكرتْ جريمتها وذنبها فبكتْ وصدتْ عنهُ فأدخلَ يدهُ تارةً أخرى فأمرها أن تستمسكَ بها فأبتْ فأدخلها ثالثةً ورابعةً فأمسكتْ بها بعد لأيٍ وجهدٍ فجذبها فأخرجها وقد غشي عليها فلما أفاقتْ طفقتْ تبكي وتبكي وتبكي ... !

فقالَ الشيخُ وعيناهُ تذرفان: لعلَ اللهَ أرادَ تخفيفَ ذنوبها والحطَ من سيئاتها وهذا دليلٌ على توبتها وندمها غفرَ اللهُ لها، الله اغفر لنا ولها ولسائرِ المؤمنين!

الله اغفر لنا ولها ولسائر المؤمنين!

الله اغفر لنا ولها ولسائر المؤمنين!

وسكتَ الشيخُ فرفعَ المؤذنُ صوتهُ بـ (الله أكبر) داعياً الناسَ لصلاةِ العشاءِ!

كتبها: حسين بن رشود العفنان/حائل

2/ 7/1425هـ


الحاشية:
(*) أبو عبد الله اللغوي شخصية استحدثتها لإدارة القصة!
(1) قنة: قمة

المصدر http://www.saaid.net/

ـ[رامي ابراهيم]ــــــــ[02 - 11 - 2004, 09:21 ص]ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حقاً إنها لقصةٌ رائعة، ذاتَ معانٍ عميقة ..
بُورِكَ فيك أخي طنطاوي على هذا النقل الموفق

ـ[ألف بيت]ــــــــ[04 - 11 - 2004, 01:44 ص]ـ
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

جزاك الله كل خير أخي الأديب رامي
أشكرك على التواجد

ـ[السراج]ــــــــ[05 - 11 - 2004, 10:23 م]ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ما أروعها من قصة .. فعلاً مبكية ..

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير