تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

إلى بني إسرائيل في الآية (5)، ثم خطاب عيسى ابن مريم إلى بني إسرائيل والبشارة بـ>أحمد< خاتم الرسل، حيث يتمّ في هذه الآيات الرّبط بين مرحلة الخطاب الاصطفائي الحصري، والخطاب العالمي، ثم إطلاق هذه العالمية في الظهور الكلّي لهذا الدّين· أما في سورة الفتح فقد جاءت البشارة بالظهور الكلّي للدّين عقب ذكر الرّفض المطلق له من قبل المشركين، فقال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً) الفتح: 28· والملاحظ هنا أن الآيات الثلاث التي بشّرت بالظهور العالمي لهذا الدين، بشّرت بالمضمون وهو >الدّين< ولم تذكر المسمّى وهو >الإسلامفمن شهادة الرّسول المعصوم ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى شهادة الأمّة الوسط القطب التي لاتجتمع على ضلالة، والمؤهّلة في نسقها الحضاري لتتّسع للعالم بعد ذلك كله< (28) ·

هذه أهم المظاهر والدلائل على البعد العالمي في الخطاب القرآني، وأن الله تعالى قصد من خلق العالم وإيجاده إقامة نظامه العالمي الموافق لأبعاد القرآن العالمية، فالقرآن تجاوز في خطابه الرؤية الضيّقة للجنس والعشيرة والقبيلة، كما تعدّى في حدود خطابه من أنزل فيها ـ وهم العرب ـ إلى الأفق العالمي المتّسع لكل القوميات والشعوب، فإطلاق نصوصه وعموميتها شاهدة على ذلك· كما راعى في خطابه كل المتغيرات التي تطرأ على الأوضاع البشرية والعمرانية، فجاء مرناً في أحكامه مفتوحاً على المتغيرات والتحوّلات، منسجماً مع المستجدّات؛ ليتمكّن كلّ جيل من العمل بأحكامه وقوانينه· وهي إحدى المعجزات القرآنية الخالدة التي انفرد بها هذا الكتاب على غيره من الكتب التي لم يكتب لها الخلود والشّهود· فأسباب حفظه وبقائه كامنة في خطابه العالمي المعجز، الذي أعطى للعلم والفهم والإدراك مساحة واسعة في نصوصه، مستدعياً أولي الألباب وأولي النّهى إلى التأمل والتدبِّر، والانفتاح على معانيه ومقاصده: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) محمد:24، (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) ص:29، إنّ المقصود بهذا الخطاب ليس العرب وحدهم، بل هو متوجه لأولي الألباب في أي زمان ومكان في العالم؛ لإدراك مكنونات الكتاب وأسراره التي لاتنكشف إلّا بمزيد التأمل والتدبر الذي لايؤتيه كل الناس، بل هو من خصوصيات النّخبة المفكّرة العالمة· ومن هنا فإن الأوساط العلمية المثقّفة يقع على عاتقها أكبر واجب في الفهم والتفسير لنصوصه بما يتلاءم وروح العصر ومقتضيات المرحلة الراهنة، التي تحاول العولمة الغربية فرض مشروعها التغريبي على العالم، في غياب المشروع القرآني المهمل من قبل أتباعه، والمتّهم من قبل أدعيائه· فالقرآن لم ينزل لوقت موقّت كما يروّج له بعض المنهزمين والمنخدعين بالحضارة الغربية المعاصرة، الذين يدّعون أن الخطاب القرآني تجاوزه الزمن، ولا يعدو أن أصبح كتاباً تاريخياً لايفيد أتباعه شيئاً في الوقت الراهن· إن هذه الفرية تكذّبها شهادة التاريخ ذاته والحضارات المتعاقبة عبر الزمن، حيث استطاع الخطاب القرآني استيعاب قضايا الشّعوب التي وجدت فيه الرّحمة والعدل والحرية· وإنه قادر اليوم أيضاً على إعادة التاريخ عندما تحين الظروف والأسباب الملائمة.

المصدر:

http://www.dahsha.com/viewarticle.php?id=26174

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير