تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وأرجو ألا يتحول النقاش العلمي إلى جدل لا فائدة فيه بإيراد الاحتمالات التي هي من قبيل الظن البعيد بأن نقول: ربما أراد كذا وربما أراد كذا، فلا يعقل أن يورد سيبويه هذه الشواهد ويؤكد أن الوصف لكل دون أن ينبه على شذوذه في القياس، وقد أوردت قول سيبويه للدلالة على خطأ ابن الحاجب في جعل وصف كل المضافة شاذا، فمن حيث المبدأ يجوز ذلك بلا شذوذ أو ضعف بصرف النظر عما ورد في البيت الشاهد: وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان.

أخي الكريم ..

الأصل في (إلا) أن تكون للاستثناء، والأصل في (غير) أن تكون وصفا غير محض، ولكن لما كان الاستثناء فيه معنى المغايرة، استعملت غير في الاستثناء، واستعملت (إلا) في الوصف، وليست (إلا) وحدها الوصف وإنما هي مع ما بعدها بمثابة كلمة واحدة يوصف بهما وصفا غير محض، ففي قولنا:

جاء الناس إلا زيدا، زيد مستثنى، وكذلك: جاء الناس غير زيد بنصب غير، غير مستثنى واجب النصب، فإن أردنا بـ (غير) الوصف قلنا: جاء الناس غيرُ زيد، باعتبار (ال) في الناس جنسية فهي في حكم النكرة، وكذلك إن أردنا الوصف بـ (إلا) قلنا: جاء الناس إلا زيدٌ، بالرفع، وثم فرق بين الوصف والاستثناء، فالوصف بمعنى جاء الناس الموصوفون بأنهم غير زيد، والاستثناء إخراج لزيد مما دخل فيه الناس.

ثم إن الوصف بـ (إلا) مع ما بعدها ليس وصفا محضا مثل قولنا: هذا رجل عاقل، وإنما الوصف بها كقولنا: مررت برجل غير زيد، فغير زيد ليست صفة محضة، وإنما الوصف بـ (إلا) من قبيل المغايرة تشبيها لها بغير، أما لماذا لم تظهر عليها علامة الإعراب كما ظهرت على غير فلأنها حرف، فـ (إلا) مع ما بعدها في الوصف كحالها في البدل في نحو: ما جاء الناس إلا زيد، فالبدل هو إلا مع ما بعدها ولم تظهر علامة الإعراب عليها وإنما ظهر في الاسم الذي بعدها، ولا فرق بين الأمرين.

ثم إن الذين أجازوا في الموجب التام النصب والإتباع جعلوا (إلا) وما بعدها وصفا أو عطف بيان ولم يجعلوه بدلا كما في التام المنفي، وشواهدهم هي شواهد سيبويه التي أتى بها على أن (إلا) بمعنى غير، ولم يذكر أحد منهم على أنها لغة لبعض العرب وإنما الوصف بإلا لغة عامة العرب، ولذلك عندما أخذ بعض النحاة على ابن مالك في ألفيته إيجابه نصب المستثنى في الموجب التام رد عليهم الشاطبي في مقاصده بإن ابن مالك يقصد أن النصب واجب إذا أريد الاستثناء أما الوصف فهو خارج عن باب الاستثناء، وفي شرح التسهيل نبه ابن مالك أن نحو قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله) ليس من باب الاستثناء.

أرجو أن يكون ما قدمت مزيلا لبعض الإشكالات عندك.

مع التحية الطيبة.

ـ[د. بهاء الدين عبد الرحمن]ــــــــ[30 - 01 - 2007, 08:32 ص]ـ

تكملة:

من الفروق بين الاستثناء والوصف أيضا أن الاستثناء لا يكون إلا من شيء يتصور أن يكون المستثنى جزءا منه، يعني لا يصح أن تقول: جاءني رجل إلا زيدا، تريد استثناء زيد من رجل، ولكن على الوصف يجوز أن تقول: جاءني رجل إلا زيد، بالرفع أي: غير زيد، كمثال سيبويه: لو كان معنا رجل إلا زيد لهلكنا.

يبقى الإشكال في مجيء نص لا يمكن أن تكون (إلا) مع ما بعدها وصفا كقراءة من قرأ: (فشربوا منه إلا قليل) بالرفع، فالضمير لا يوصف، ومعنى الاستثناء فيه واضح، لذلك لجأ الزمخشري وابن مالك إلى تأويلها، والتأويل يلجأ إليه في النصوص التي يحتج بها وتخالف القاعدة العامة المطردة، ولا يتخذ التأويل ذريعة لتجويز القياس على ما يخالف القواعد المقررة، فقوله:

وقالوا ما تشاء فقلت ألهو ***** إلى الإصباح آثر ذي أثير

يؤول على أنه أراد بالفعل (ألهو) المصدر، ولا يصح أن يتخذ هذا التأويل دليلا على جواز نحو: سئمت من ألهو، بمعنى سئمت من اللهو، وبهذا يسقط اعتراض عباس حسن الذي نقلته _ أخي علي_ بالمعنى، وهو قولك:

وأغرب من ذلك تضمين المثبت ما قبل إلا النفيَ في مثل:

وبالصريمة منهم منزل خلق ... عاف تغير إلا النؤيُ والوتدُ

فقالوا إن (تغير) بمعنى (لم يبق على حاله)!! وهذا فيه من التكلف الشيء الكثير؛ لأنه أمر بدهي!! فهل هناك مثبت لا يُتصور له نقيض منفي؟

أليس: سهرَ بمعنى لم ينم؟ أخفق بمعنى لم ينجح؟ وشقي بمعنى لم يسعد؟

وكذلك: لم ينم بمعنى سهر؟ لم ينجح بمعنى أخفق؟ ولم يسعد بمعنى شقي؟!!

ولو فتح باب التأويل على هذا النحو لاختلطت الأمور وأصبح مثل:

(اختفى اللصوص إلا لصا) من قبيل التام غير الموجب على معنى (لم يظهر اللصوص إلا لصا / لص).

ولأصبح مثل: (لم يحضر الطلاب إلا زيدا / زيد) من قبيل التام الموجب على معنى (غاب الطلاب إلا زيدا).

وعليه لا يكون لتأويلهم بتضمين ما قبل (إلا) النفي معنى مادام لكل مثبتٍ نقيضٌ منفي، ولكل منفي نقيض مثبت.

فالشاهد المؤول _ أخي علي_ لا يقاس عليه، وإنما التأويل تخريج للنص من جهة إيجاد العذر للقائل بتغليب جانب المعنى على اللفظ. فتأمل ما قلت تصب بإذن الله.

مع خالص التحية.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير