تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

"وأما قوله في أول الآية: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى}.

فهو كما أخبر سبحانه وتعالى فإن عداوة المشركين واليهود للمؤمنين أشد من عداوة النصارى والنصارى أقرب مودة لهم وهذا معروف من أخلاق اليهود فإن اليهود فيهم من البغض والحسد والعداوة ما ليس في النصارى وفي النصارى من الرحمة والمودة ما ليس في اليهود والعداوة أصلها البغض فاليهود كانوا يبغضون أنبياءهم فكيف ببغضهم للمؤمنين.

وأما النصارى فليس في الدين الذي يدينون به عداوة ولا بغض لأعداء الله الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا فكيف بعداوتهم وبغضهم للمؤمنين المعتدلين أهل ملة إبراهيم المؤمنين بجميع الكتب والرسل.

وليس في هذا مدح للنصارى بالإيمان بالله ولا وعد لهم بالنجاة من العذاب واستحقاق الثواب وإنما فيه أنهم أقرب مودة وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ}.

أي بسبب هؤلاء وسبب ترك الاستكبار يصير فيهم من المودة ما يصيرهم بذلك خيرا من المشركين وأقرب مودة من اليهود والمشركين.

ثم قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ}.

فهؤلاء الذين مدحهم بالإيمان ووعدهم بثواب الآخرة والضمير وإن عاد إلى المتقدمين فالمراد جنس المتقدمين لا كل واحد منهم.

كقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}:

وكأن جنس الناس قالوا لهم إن جنس الناس قد جمعوا ويمتنع العموم فإن القائل من الناس والمقول له من الناس والمقول عنه من الناس ويمتنع أن يكون جميع الناس قال لجميع الناس إنه قد جمع لكم جميع الناس.

ومثل ذلك قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}:

أي جنس اليهود قال هذا لم يقل هذا كل يهودي". اهـ

فإما أن يقال في مثل هذه المواضع أن: "أل" في "الناس" في آية آل عمران، و "أل" في الناس في "اليهود" في آية التوبة: عهدية تشير إلى معهود ذهني بعينه هو: مشركو قريش في "الناس" الأولى، و: نعيم بن مسعود، رضي الله عنه، قبل أن يسلم في "الناس" الثانية، أو يقال هي على أصلها: جنسية استغراقية لعموم ما دخلت عليه، ولكن عمومها غير مراد، وإنما المراد خصوص من تقدم.

وكذلك الشأن في: "اليهود" في آية التوبة، فإنه من المعلوم بداهة أن دعوى بنوة العزير، عليه السلام، هي دعوى طائفة مخصوصة من اليهود، إذ لم يعرف عن عامة يهود الغلو في الأنبياء، عليهم السلام، بل العكس عرف عنهم الجفاء في حقهم، والسعي في قتلهم، والحط من شأنهم بوصفهم بأرذل الصفات التي يتنزه عنها آحاد البشر فضلا عن صفوتهم الذين اختارهم الله، عز وجل، لأشرف وظيفة: وظيفة أداء رسالة السماء إلى أهل الأرض.

فـ: "أل" إما أن تكون جنسية استغراقية، أريد بها خصوص تلك الطائفة، أو تكون عهدية ذهنية في تلك الطائفة بعينها.

و: "العام الذي أريد به خاص": مجاز عند طائفة من البلاغيين، فهو من: المجاز المرسل الذي علاقته: "الكلية" إذ أطلق الكل وأراد البعض، فلم يكن العموم مرادا ابتداء، وإنما كان محط الفائدة في الخصوص الذي يدل عليه، فلم يكن عموم الضمير في: "سمعوا" مرادا ابتداء ليقال بأن النص قد عم كل من قال: أنا نصراني ثم طرء عليه التخصيص بمن آمن برسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هم المقصودون ابتداء.

وبعض أهل العلم يجعله من: العام المخصوص فلا يكون مجازا، فيكون العموم مقصودا ابتداء ثم طرء عليه التخصيص، والخلاف يكاد يكون لفظيا، إذ كلا القولين مؤد إلى قصر المدح في الآية الثانية على من آمن برسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سواء أدل النص عليه ابتداء بدلالة العام الذي أريد به الخاص المجازية، أم دل عليه انتهاء بدلالة العام المخصوص بمن آمن بالرسالة الخاتمة.

وباستقراء نصوص الوحي:

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير