تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وَمَا مِنْ أَحَدٍ ادَّعَى النُّبُوَّةَ مِنَ الْكَذَّابِينَ إِلَّا وَقَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ وَالْفُجُورِ وَاسْتِحْوَاذِ الشَّيَاطِينِ عَلَيْهِ - مَا ظَهَرَ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ. فَإِنَّ الرَّسُولَ لَا بُدَّ أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِأُمُورٍ وَيَأْمُرَهُمْ بِأُمُورٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ أُمُورًا يُبَيِّنُ بِهَا صِدْقَهُ. وَالْكَاذِبُ يَظْهَرُ فِي نَفْسِ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيُخْبِرُ عَنْهُ وَمَا يَفْعَلُهُ مَا يَبِينُ بِهِ كَذِبُهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. وَالصَّادِقُ ضِدُّهُ. بَلْ كُلُّ شَخْصَيْنِ ادَّعَيَا أَمْرًا: أَحَدُهُمَا صَادِقٌ وَالْآخَرُ كَاذِبٌ - لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ صِدْقُ هَذَا وَكَذِبُ هَذَا وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ، إِذِ الصِّدْقُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْبِرِّ، وَالْكَذِبُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْفُجُورِ ................. فَمَنْ عَرَفَ الرَّسُولَ وَصِدْقَهُ وَوَفَاءَهُ وَمُطَابَقَةَ قَوْلِهِ لِعَمَلِهِ - عَلِمَ عِلْمًا يَقِينًا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَاعِرٍ وَلَا كَاهِنٍ.

وَالنَّاسُ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ، حَتَّى فِي الْمُدَّعِي لِلصِّنَاعَاتِ وَالْمَقَالَاتِ، كَمَنْ يَدَّعِي الْفِلَاحَةَ وَالنِّسَاجَةَ وَالْكِتَابَةَ، وَعِلْمَ النَّحْوِ وَالطِّبِّ وَالْفِقْهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ.

وَالنُّبُوَّةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى عُلُومٍ وَأَعْمَالٍ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِفَ الرَّسُولُ بِهَا، وَهِيَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ وَأَشْرَفُ الْأَعْمَالِ. فَكَيْفَ يَشْتَبِهُ الصَّادِقُ فِيهَا بِالْكَاذِبِ؟ ". اهـ

بتصرف من: "شرح العقيدة الطحاوية"، ص106_108.

وقد تواتر عند الموافق والمخالف ما وقع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تمكين، إذ قهر خصومه، فدانت له العرب، فغزا بهم العجم في تبوك، فما اسطاعوا لقاءه، وبعث رسله إلى ملوك العرب والعجم، فمن أكرم رسله: ثبت الله ملكه، ومن أهانهم مزق الله ملكه، فبقي لهرقل ملكه في قسطنطينية بعد زواله من الشام، حتى فتحت قسطنطينية بعد ذلك بنحو ثمانية قرون كما بشر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وئلك، أيضا، من أعلام نبوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله:

"فقد أظهر الله جل ثناؤه دينه الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم على الأديان فبان لكل من سمعه أنه الحق، وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره بأن جماع الشرك دينان: دين أهل الكتاب، ودين الأميين، فقهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها، وقبل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعض الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه صلى الله عليه وسلم وهذا ظهوره على الدين كله. قال الشافعي: وقد يقال: ليظهرن الله دينه على الأديان حتى لا يدان الله إلا به، وذلك متى شاء الله قال: وكانت قريش تنتاب الشام انتيابا كثيرا، وكان كثير من معاشها منه، وتأتي العراق، فيقال: لما دخلت في الإسلام ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم خوفها من انقطاع معاشها من الشام، والعراق إذا فارقت الكفر ودخلت في الإسلام مع خلاف ملك الشام، والعراق لأهل الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده»، فلم يكن بأرض العراق كسرى ثبت له أمر بعده، وقال: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده»، فلم يكن بأرض الشام قيصر بعده، وأجابهم على ما قالوا له، وكان كما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقطع الله الأكاسرة عن العراق، وفارس، وقيصر ومن قام بعده بالأمر بعده عن الشام وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كسرى: «مزق الله ملكه»، فلم يبق للأكاسرة ملك، وقال في قيصر: «ثبت ملكه»، فثبت له ملك بلاد الروم إلى اليوم وتنحى ملكه عن الشام وكل هذا متفق يصدق بعضه بعضا". اهـ بتصرف نقلا عن: "معرفة السنن والآثار" للإمام الحافظ أبي بكر البيهقي، رحمه الله، باب: "إظهار دين النبي صلى الله عليه وسلم".

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير