تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

إذا تبين مَا تقدم عُلِمَ أنَّ هذه الكلمةُ ابتذلتْ عندَ كثيرٍ مِنْ الناس في هذا الزمان -خاصةً المتعالمين منهم ممن يسمون مفكرين، وكذلك من الناشئة في طلب العلم!! - فلم يراعوا مكانة القائل، ولا قدر من قيلت فيه هذه الكلمة.

نعم إذا قال "هم رجال ونحن رجال" من كان في منزلة أبي حنيفة في نظرائه من أهل العلم فحُقَّ له ذلك، لأنَّ قول بعضهم ليس حجةً على بعض.

إنَّ هذه الكلمة أصبحتْ مطية يركبُها مَنْ يريدُ أنْ يردَّ أقوالَ الأئمة المتقدمين، والسلفِ الصادقين بلا حُجةٍ ولا بُرهان، ومَنْ يريدُ أن يمرر آراءه الشاذة، وأقوالَه الضعيفة، واختياراتِه الغريبة، ومَنْ يريدُ أنْ يُظهِر نفسهُ على حساب أئمة العلم والدين.

نعم "هُمْ رجالٌ ونحنُ رجال" في أصلِ الخِلْقةِ والصفاتِ المشتركة من سمعٍ وبصرٍ وجوارح، ولكنَّ الله حباهم –بفضله ومنته وحكمته- غزارةً في العلم، وإخلاصاً في العمل، وصِدْقاً في الدعوة، وصبراً عِند الأذى والبلاء، قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية: ((ومَنْ آتاه اللهُ علماً وإيماناً عَلِمَ أنّه لا يكون عند المتأخرين من التحقيق إلا ما هُو دونَ تحقيقِ السلفِ لا في العلم ولا في العمل)) [3] ما أجمل وأبلغ هذه العبارة من هذا الإمام الخبير!.

قال الخطيبُ البغداديُّ–لمّا ذَكَرَ الأئمةَ المتقدمين وما وَقَعَ مِنْ بعضهم من وَهْم في الجمعِ والتفريق بين الرواة-: ((ولعل بعض مَنْ ينظرُ فيما سطرناه، ويقفُ على ما لكتابنا هذا ضمّناه، يلحقُ سيئ الظن بنا، ويرى أنّا عَمْدنا للطعنِ على من تقدّمنا، وإظهار العيب لكبراءِ شيوخنا وعلماءِ سلفنا، وأنّى يكونُ ذلكَ! وبهم ذكرنا، وبشعاعِ ضيائهم تبصرنَا، وباقتفائنا واضحَ رسومِهم تميزنا، وبسلوك سبيلهم عن الهَمَجِ تحيزنا، وما مثلُهم ومثلُنا إلا ما ذكر أبو عَمْرو بنُ العلاء فيما أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرئ قال: أخبرنا أبو طاهر عبدالواحد بن عُمر بن محمد بن أبي هاشم قال: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثنا الرّياشي عن الأصمعي قال: قالَ أبو عَمرو: مَا نَحْنُ فيمن مَضَى إلاّ كبَقْلٍ في أُصولِ نَخْلٍ طُوالٍ)) [4]، وأبو عَمْرو بنُ العلاء هو: المازني البصريّ شيخ القرّاء والعربية، وأحدُ القرّاء السّبعة، مات سنة أربع وخمسين ومائة [5]، فإذا كان أبو عمرو يقول هذا وهو متقدم الوفاة، فماذا ترانا نقول ونحن نعيش في القرن الخامس عشر من الهجرة وما فيه من كثرة الشبهات، ووفرت الشهوات!!، رحماكَ ربِّ.

وقال الشاطبيُّ- لمّا ذَكَر طريقينِ لأخذِ العلم عن أهلهِ الأوَّل: المشافهه، والثاني: مطالعة كتب المصنفين قال: وهو نافع في بابه بشرطين ثم ذكر الشرط الأوَّل ثم قال-: ((الشرطُ الثاني: أنْ يتحرى كتبَ المتقدّمين مِنْ أهلِ العلم المراد، فإنهم أقعدُ بهِ منْ غيرهِم من المتأخرين، وأصلُ ذلكَ التجربةُ والخَبَرُ: أمَّا التجربةُ فهو أمرٌ مشاهد في أيّ علمٍ كان فالمتأخرُ لا يبلغُ مِنْ الرسوخِ في علمٍ مَا مابلغه المتقدمُ، وحسبكَ منْ ذلكَ أهلُ كلّ علمٍ عمليّ أو نظريّ، فأعمالُ المتقدمين -في إصلاحِ دنياهم ودينهم- على خلافِ أعمالِ المتأخرين؛ وعلومُهم في التحقيقِ أقعدُ، فتحققُ الصحابةِ بعلوم الشريعة ليسَ كتحققِ التابعين؛ والتابعونَ ليسوا كتابعيهم؛ وهكذا إلى الآن، ومَنْ طالعَ سيرهَم وأقوالَهم وحكاياتِهم أبصرَ العَجبَ في هذا المعنى، وأما الخَبَرُ ففي الحديث "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ... والأخبارُ هنا كثيرةٌ، وهى تدلُ على نقصِ الدينِ والدنيا، وأعظمُ ذلكَ العلم، فهو إذا في نقصٍ بلا شك، فلذلك صارتْ كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم على أيّ نوعٍ كان، وخصوصاً علم الشريعة، الذي هو العروةُ الوثقى، والوزَر الأحمى وبالله تعالى التوفيق)) [6].

وقال الذهبيُّ: ((جزمتُ بأنَّ المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة)) [7]

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير