تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وبجهود الوافدين من الغرب إلى الشرق يحملون لواء العداء للدين وتعظيم الولاء للثقافة الغربية باسم العلم، مدعومين بكل الوسائل الإعلامية والسياسية، أسقط في أيدي الناس ورفعوا الرايات البيض مسلمين ومستسلمين للأجنبي، ثم ولى عامة المثقفين من المسلمين في البلاد العربية وجوههم شطر النهضة الأوربية، وافتتنوا بها أي افتتان، وجرهم هذا إلى الاعتقاد والتصديق بكل ما يصدر منهم من علم أو فكر، بل جعلوا العلوم والفلسفة الوافدة من أوربا ميزاناً للإسلام، فيعتقدون من الإسلام ما وافق ميزان العلم والفلسفة بالمفهوم الغربي ويردون ما رده العلم والفلسفة بهذا المفهوم السابق.

إن الاحتكاك بأوروبا وغيرها من شعوب العالم لم يكن جديداً على المسلمين، بل كان أشد وأخطر في نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي عهد الفتوحات الإسلامية وبدايات العهد العثماني، فقد حصلت المواجهات العلمية والاختلاط بمجتمعاتهم، وتعرض المسلمون لحملات الزندقة والإلحاد وأخذت هذه الحملات صوراً متعددة وغالباً ما كانت تعتمد على الجدل تحت التصور العقلي والمنطقي ([4])، وترجم المسلمون كتب اليونان والأغريق ودرسوها ومحصوها وعلموها لطلابهم، ولكن لم يحصل التأثير ـ والانبهار ـ الذي أثر بالمسلمين اليوم أو في القرن الماضي والذي قبله، ولم يفعل المسلمون في تلك العهود المباركة ما يفعله اليوم المتأثرون أو (المتعصرنون) في العصر الحديث، ولم نجد العداء للدين والنداء لتركه باسم المنطق والعقل والعلم، فما السبب؟!.

أرى أن الجواب المناسب لهذه الأسئلة يعود لأسباب ثقافية وأسباب عقائدية بالدرجة الأولى، قإن العافية الإيمانية والصحة العقلية والفكرية، والثقة بالنفس وقوة الشخصية عند المسلمين آنذاك كانت تجعلهم يرون كل ما أمامهم من الظواهر والعلوم أمراً بدهياً. ذلك أن الفهم السليم لمدلول العلم في القرآن والسنة وشمولية مفهومه، وما يعلمونه من حض الإسلام على العلم لما له من أهمية في تطور حضارتهم، وما أشار الله إليه من الحقائق والظواهر الكونية في كتابه؛ كل ذلك جعلهم يألفون كل ما يرونه وما يسمعونه من العلوم؛ لأن مبادئ هذه المعارف مطروقة في أسماعهم مستقرة جملة في عقولهم، كما أنهم لم يجدوا حرجاً من البحث والتجربة في نواحي العلم بحجة أن دينهم ينهاهم عن ذلك أو أن هذه علوم لا علاقة لهم بها، بل اجتهدوا ـ بما أوتوا من قوة ـ في نواحي العلم؛ لاعتقادهم أن ذلك يقربهم من الله تعالى وأنهم بهذا الاجتهاد يقيمون شرع الله، ويرفعون إثماً عن أنفسهم وعن المسلمين. فلم تمنعهم معرفتهم بأطوار خلق الجنين التي استقوها من القرآن ـ في وقت كانت تصورات الروم وفارس مغلوطة ومضحكة في هذا الشأن ـ لم تمنعهم من التشريح والتحصيل والتدقيق. ولم يمنعهم معرفتهم بخلق الأرض والجبال كما ذكر في القرآن من الرحلة والنظر في الأرض ومعرفة أطوار تكونها، وهكذا في الفيزياء والرياضيات، فوجدنا من العلماء المسلمين من برع مع العلوم الشرعية باختصاصات علمية متعددة لهم فيها مؤلفات ما تزال مراجع إلى وقتنا الحالي كابن الهيثم وابن سينا والعز بن جماعة وغيرهم، ثم لم يستخدموا هذه العلوم في مناقضة كتاب الله بل في شرح كتابه سبحانه وتعالى لا على سبيل التوفيق بين العلم والدين بل على سبيل أن كل العلوم مفسرة للقرآن، وكلٌّ تكلم على قدر طاقته واجتهد فيما علم فمنهم من أخطأ ومنهم من أصاب.

كما أن البناء العقائدي للمسلم يحتم عليه البحث في الأدلة الكونية الإجمالية والتفصيلية، بحثاً منهجياً يعمق من إيمانه بالله تعالى وتعظيمه.

إذن فالجهل بشمولية العلم في الإسلام مع سيطرة الفكرة العلمانية على عقول كثير من المثقفين في فصل العلم عن الدين، والدين عن الحياة، هو السبب المباشر لما نعانيه اليوم من الجدلية العدائية والتخلف العلمي والحضاري. لذلك ينبغي على أولياء أمور المسلمين والمؤسسات العلمية الرسمية والخاصة أن ينهضوا للعمل على تصحيح المسيرة العلمية كما أرادها الإسلام، من خلال تأصيل المفهوم الصحيح للعلم في الإسلام وإعادته إلى عقول المسلمين وتقريره في المناهج الدراسية والأكاديمية، ودعم البحث العلمي المبني على هذا المفهوم، ويُوازى ذلك بالعمل على التربية الإيمانية السليمة التي تعطي للعقل صفاءه وللنفس بهجتها وللشخصية استقلالها.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير