تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[تأملات في الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم]

ـ[أحمد الطعان]ــــــــ[20 Sep 2007, 12:02 ص]ـ

تأملات في الرسالة والرسول

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

} الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ * {آمين.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي الصادق الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

يشعر الكاتب بالضآلة حين ينوي الكتابة عن سيد البشر محمد رسول الله r ، لأنه لا يجد في قاموسه العبارات التي تترجم الشعور بأمانة للقارئ، يكفيه أن ربّه عز وجل وصفه بقوله:} وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ {[سورة القلم آية: 4].

إن هذه الجملة تتعاقب فيها كما هو واضح - لمن يتذوق لغة العرب - عناصر المدح والثناء بإلحاح شديد.

كما يقف الكاتب حائراً وهو يتأمل في قوله عز وجل} وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ {[سورة الأنبياء آية 107] فهو عز وجل يحصر رسالة المصطفى r في الرحمة العالمية، الرحمة الشاملة، فهل تبقى أية قيمة لحديث البشر بعد هذا الثناء الرباني والتوجيه الرحماني؟!

لقد كان قلبه يفيض بالرحمة مذ كان طفلاً كيف لا وقد غسلته الملائكة الكرام بها - أي بالرحمة - يوم كان يرعى الأغنام مع أبناء حليمة!. ولقد رقق اليتم قلبه إذ وُلد يتيم الأب فلم يحظ بحنان الأبوة، وحين ذهب ذات يوم مع أمه لزيارة قبر أبيه ماتت أمه في الطريق فغسلت دموع أجفانه صفحات قلبه.

وهذبه الفقر حين عاش مُعدماً يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة، فعاش حياة الفقراء واليتامى، يشعر بمشاعرهم ويتألم بآلامهم، فأكسبه ذلك حساً مرهفاً وشعوراً نبيلاً دفعه لمباشرة العمل بالتجارة، حتى لا يكون عبئاً ثقيلاً على عمه أبي طالب، فخالط الناس وعاشر أصنافهم، وخبر أخلاقهم، وأخذ وأعطى بيعاً وشراء ليعيش الواقع كما هو بحلوه ومره، برخائه وشدته.

ولكي لا ينجرف في تيار الواقع حَبّب الله جل وعلا إليه الخلاء ليعتزل الناس، ويخلو بنفسه يراجعها يحاسبها، ويعتني بقلبه تزكية وتطهيراً، ويتجه إلى ربه عز وجل تعبداً وتلقياً وتفكيراً.

ولم يكن ذلك صدفة بل كان تقديراً إلهياً، وتدبيراً ربانياً لرجل اختاره الباري جل شانه لأعظم مهمة على مر الدهور، مهمة الرسالة الخاتمة، والرحمة الشاملة.

إنها مهمة ذات وجهين:

الأول: الصلة مع الله عز وجل، والانخراط في عالم الملكوت، والانسلاخ من عالم الملك والشهادة، والتلقي عن الله تبارك وتعالى.

الثاني: التواصل مع الناس على سبيل البلاغ والبيان والهداية.

إنها مهمة عظيمة وخطيرة، إنها مفترق الطرق بين عالم الشهادة وعالم الغيب، عالم الدنيا وعالم الآخرة، إنها صلة الوصل بين عالمين.

ولذلك هيأه الله عز وجل ورباه لتحمل هذه المهمة، فاتصل بالناس، وعرك الحياة بمرها ومرارها، وخلا بربه عز وجل ليصفو قلبه من أدران الكون، فيتهيأ عقله وتستعد روحه للتلقي عن المكوّن عز وجل.

إن أصعب مهمة يعاني منها الدعاة اليوم هي الانسلاخ من واقعهم العاجي والانخراط في الواقع العادي للناس. يعيش الداعية معاني الإيمان والهداية والتقوى فتصفو روحه وتميل إلى الاكتفاء بربها عز وجل خلوة وعبادة وتبتلاً، فإذا ما شعر بالمسؤولية تجاه الناس تبرمت روحه وضاقت، لأنه يريد العودة بها من جديد إلى عالم الأذى والهوى.

هذا على مستوى الدعاة المخلصين من آحاد الأمة فكيف بالمصطفى r ؟! إن حالته من أشق الحالات، لأنها تتضمن الانسلاخ من البشرية إلى الملائكية لتلقي الوحي، ثم الأوب من جديد إلى عالم البشر، لتحمل مسؤولية كبرى!، وهل يرضى الإنسان الذي يدخل الجنة ويعيش نعيمها وسعادتها أن يعود إلى دنيا الهموم والأحزان؟!

إن أمر الانتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب أو من عالم الملكوت إلى عالم الملك أشق – فيما أحسب - مما نتصور إذا ما نظرنا إلى الأمر من زاوية الأسباب فقط.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير