تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وهناك نقطة أخرى قد تزيل كثيرا من اللبس والغموض، وتبوئ تفسير "في ظلال القرآن" مكانته المتميزة، وهي أنه على خلاف ما يدعى من أن هذا التفسير تفسير أدبي أو اجتماعي، أو هما معا، فإن التفسير في حقيقته غير ذلك كله، وتصنيفه التصنيف الصحيح لا يتم إلا بدراسة نصية مقارنة، ومتأنية، ولعل دراسة من هذا النوع تكشف عن مقومات وخصائص منهجية وتصورية، تجعل في "ظلال القرآن" تفسيرا متميزا عن التفاسير ذات الصبغة الأدبية، أو الاجتماعية، ويمكننا بعد قيامنا بدراسة مستفيضة لهذا التفسير أن نؤكد بأن له منهجا خاصا، وتصورا خاصا يميزانه عما سواه، بل حتى الهدف من إعداده، وإخراجه إلى الناس، هدف خاص ومتميز، فصاحبه قد أعده ليكون زادا للمسلم المعاصر ليتسلح به في معترك الحياة، وليحيا به حياة إسلامية، وليدفعه إلى الحركة والعمل والجهاد من أجل إقامة مجتمع مسلم. ومن ثم نرى أن يسمى هذا التفسير بإحدى التسميتين:

1 - تفسير حركي للقرآن الكريم.

2 - تفسير داعية.

والنظر إلى تفسير سيد قطب من هذه الزاوية - أي على أنه تفسير حركي أو تفسير داعية - سيجعلنا ندرك الأسباب التي جعلته، لا نقول يتخفف من الالتزام الحرفي بمنهج أهل السنة في التفسير، ولكن لا يكرر ما يوجد في كل تفاسير القرآن الكريم - قديمها وحديثها- فهو لم يرد لتفسيره أن يكون اجترارا لما سبق أن قيل في التراث التفسيري الضخم، ولم يرد أن يضيع طاقته ووقته في مواجهة عصره بكل تياراته الفكرية، واتجاهاته السياسية وخططه الاقتصادية، وأنماطه الحضارية، وإنما أراد أن يطلع الناس على ما يتضمنه القرآن الكريم من عقيدة توقظ الضمير، وتملأ القلب، وتحرك الجوارح، وتدفع إلى العمل والكفاح من أجل إثبات الذات، وتحقيق الكرامة الضائعة، وسحق المؤامرة، ودحر أعداء الإسلام في الداخل والخارج، ثم العمل على أن يعود الإسلام مرة ثانية لقيادة البشرية. فتفسير " في ظلال القرآن "، قد جاء استجابة لحاجة إيمانية وثقافية للمسلم المعاصر، ولذلك نجد سيد قطب في تفسيره هذا، يبعد عن الخوض في القضايا الفلسفية أو الكلامية، أو الرد على الشبهات، أو الجدل العقيم، ويوجه كل همه إلى عرض التصور الإسلامي بأسلوب جزل بسيط، وخال من كل تعقيد، وذلك حتى يكون لدى المسلم عقيدة صحيحة، وفهما سليما لمبادئ ومفاهيم الإسلام الأساسية، يشكلان في مجملهما حصانة ضد أي غزو ثقافي وتدفعانه بالتالي إلى تحقيق الإسلام جملة وتفصيلا في عالم الواقع، بقلب مؤمن، وجنان ثابت، وعزيمة قوية، وبحماسة، وصدق، وإخلاص.

ج- الشبهة الثالثة:

واما الشبهة الثالثة فنجدها عند كثير من الباحثين، ولعل الدكتور صبحي الصالح من أبرز من قالوا بها، وذلك في كتابه "مباحث في علوم القرآن"، وهذا نص قوله: «ولسيد في تفسير "في ظلال القرآن" لمحات موفقة في فهم أسلوب القرآن في التعبير والتصوير، إلا أن الغرض الأول منه تبسيط المبادئ القرآنية للنشئ، فهو إلى التوجيه أقرب منه إلى التعليم».

ويفهم من هذا القول أن تفسير " في ظلال القرآن" لا يفيد معرفة، وإنما هو كتاب تربوي للنشئ يبسط لهم مبادئ الإسلام، ويوجههم إلى فعل الخيرات، وترك المنكرات. أما غيرهم ممن حصلوا شيئا من العلم، ونما وعيهم وإدراكهم فإنهم لن يجدوا ضالتهم في هذا التفسير، ولن يقدم لهم معرفة تزكي رصيدهم العلمي، وتنمي وعيهم.

والظاهر أن منشأ هذه الشبه راجع إلى عنوان التفسير ذاته، فهو يوحي بأنه ليس تفسيرا للقرآن الكريم. مؤسسا على قواعد علمية، وأصول منهجية واضحة، تهدف إلى تقديم معرفة نافعة ومثمرة. وإنما هو انطباعات، وخواطر حول العقيدة، والنفس، والحياة، والناس. وفي حقيقة الأمر فإن واقع تفسير سيد قطب هو غير ما يوحي به عنوان " في ظلال القرآن"، ولعل مرد هذه التسمية إلى تواضع العلماء.

والدراسة العلمية، والقراءة المتأنية، كفيلة بأن تثبت أنه ليس كتاب توجيه فقط، وإنما هو كتاب توجيه وتعليم معا، فهو يقدم معرفة واسعة بأساليب القرآن البلاغية، وشيء من علم القرآن والحديث، والسيرة والتاريخ، والفكر المعاصر بتياراته الفكرية المتضاربة، كما يقدم فكرا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا نابعا من الكتاب والسنة.

كما ان النظر إلى تفسير " في ظلال القرآن" على أنه تفسير كغيره من التفاسير قد يسقط في هذه الشبهة، ولن تزول آثارها إلا إذا نظر إليه على أنه تفسير متميز في منهجه وتصوره، وأنه قد جاء استجابة لظروف العصر التي يعيشها المسلمون، وأن صاحبه لم يرد أن يجعل منه مدونة لما سبق أن قيل في تفاسير القرآن الكريم السابقة، لأن ذلك لن يضيف شيئا جديدا إلى التراث التفسيري الضخم، ولا يحقق منفعة تذكر بالنسبة للمسلم المعاصر، الذي هو في أشد الحاجة إلى من يوقفه على العقيدة الصحيحة، والفكر المتنور الذي يستطيع به أن يصمد في وجه أي غزو ثقافي. وفضلا عن ذلك فإن المباحث العلمية الدقيقة والمعمقة، سواء في علوم القرآن و الحديث و الأصول و الفقه، و الفلسفة وعلم الكلام لا تعدو أن تكون صارفة عن «استلهام آيات القرآن الكريم في التوجيه والهداية في كل شؤون الحياة بما تكشف عن وفاء القرآن بحاجة البشرية وفاء لا يعوزها إلى غيره من طرائف الهدايات». فسيد قطب كان يهدف من وراء تفسيره للقرآن الكريم أن يربط المسلم المعاصر بكتاب دعوته "القرآن"، ويجعله يعيش في ظلاله الوارفة لا أن يجعله يحوم حوله.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير