تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

في قوله تعالى: ( .. ويقدر له .. ) القَدْر في الرزق للمؤمنين وعلى غيرهم .. !!

ـ[عبدالله بن عيدان الزهراني]ــــــــ[27 Aug 2006, 11:34 م]ـ

كنت كثيرًا ما أتساءل عند تلاوة هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له .. ) [العنكبوت: 62]، وعند الآية الأخرى: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له .. ) [سبأ: 39] عن السرّ في اختيار الضمير (له)؛ مع أن المتبادر إلى الذهن أن التضييق في الرزق يكون على الإنسان لا له، ثم تهيأ لي النظر في جملة من كتب التفسير والتي لم يتطرّق معظمها لما أبحث عنه، حتى وجدت بغيتي في تفسير " التحرير والتنوير " للطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى، حيث يقول في تفسير موضع سورة العنكبوت:

" وزيادة {له} بعد {ويقدر} في هذه الآية دون آية سورة الرعد وآية القصص (1) للتعريض بتبصير المؤمنين الذين ابتلوا في أموالهم من اعتداء المشركين عليها كما أشار إليه قوله آنفاً: {وكأيّن من دابة لا تحمل رزقها} [العنكبوت: 60]، بأن ذلك القَدْر في الرزق هو لهم لا عليهم لما ينجرّ لهم منه من الثواب ورفع الدرجات، فغُلّب في هذا الغرض جانب المؤمنين ولهذا لم يُعدّ {يقدر} بحرف (على) كما مقتضى معنى القدْر كما في قوله تعالى: {ومن قُدِر عليه رزقُه فلينفقْ مما آتاه الله} [الطلاق: 7]. وقال بعض المفسرين: إن المشركين عيّروا المسلمين بالفقر، وقيل: إن بعض المسلمين قالوا: إن هاجرنا لم نجد ما ننفق. والضمير المجرور باللام عائد إلى (من يشاء من عباده) باعتبار أن (من يشاء) عام ليس بشخص معين لا سيما وقد بيّن عمومه بقوله {من عباده}. والمعنى: أنه يبسط الرزق لفريق ويقدر لفريق " (2).

وفي تفسير آية سبأ يقول –رحمه الله-:

" وقوله: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له} تقدم نظيره قريباً تأكيداً لذلك وليبنَى عليه قوله: {وما أنفقتم من شيء} الآية. فالذي تقدم ردٌّ على المشركين، والمذكور هنا ترغيب للمؤمنين، والعبارات واحدة والمقاصد مختلفة. وهذا من وجوه الإِعجاز أن يكون الكلام الواحد صالحاً لغرضين وأن يتوجه إلى طائفتين.

ولما كان هذا الثاني موجهاً إلى المؤمنين أشير إلى تشريفهم بزيادة قوله: {من عباده} أي المؤمنين، وضمير {له} عائد إلى {من}، أي ويقدر لمن يشاء من عباده. ومفعول {يقدر} محذوف دلّ عليه مفعول {يبسط}.

وكان ما تقدم حديثاً عن بسط الرزق لغير المؤمنين فلم ينعموا بوصف {من عباده} لأن في الإِضافة تشريفاً للمؤمنين، وفي هذا امتنان على الذين يبسط عليهم الرزق بأن جمع الله لهم فضل الإِيمان وفضل سعة الرزق، وتسلية للذين قدر عليهم رزقهم بأنهم نالوا فضل الإِيمان وفضل الصبر على ضيق الحياة.

وفي تعليق {له} ب {يقْدر} إيماء إلى أن ذلك القَدْر لا يخلو من فائدة للمقدور عليه رزقُه، وهي فائدة الثواب على الرضى من قسم له والسلامة من الحساب عليه يوم القيامة. وفي الحديث «ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كُفِّر بها عنه حتى الشوكةُ يُشاكُها».

ولولا هذا الإِيماء لقيل: ويقدر عليه، كما قال: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه} [الطلاق: 7]. وأما حال الكافرين فإنهم ينعم على بعضهم برزق يحاسبون عليه أشد الحساب يوم القيامة إذ لم يشكروا رازقهم، ويُقدر على بعضهم فلا يناله إلا الشقاء ... " (3).

تلك فائدة أحببت نقلها إلى غيري، علّمنا الله ما ينفعنا، ونفعنا بما علّمنا .. (آمين)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أقول: وأيضًا آية سورة الإسراء (30)، و الروم (37)، و سبأ –أيضًا- (36)، و الزمر (52)، و الشورى (12)، فلم يذكر في هذه المواضع لفظ (له).

(2) التحرير والتنوير: تفسير الآية رقم (62) من سورة العنكبوت.

(3) التحرير والتنوير: تفسير الآية رقم (39) من سورة سبأ.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير