تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ومن قائل بأن القدماء يدخلون في مسمى التدليس الصورة الثانية أيضاً، إلا أن هؤلاء لم يتحدث عامتهم عن التفريق بين التدليس والإرسال، حتى جاء الشريف العوني فأنكر وجود الإرسال الخفي، وقال بأنه ليس ثمة إلا تدليس أو إرسال، يعني الإرسال الجلي، وأما ما خصصه المتأخرون باسم المرسل الخفي فهو عنده تدليس لا محالة.

ومن ثم فإن الفرق بين التدليس والإرسال عنده أوضح منه عند الحافظ ابن حجر، لأن الفرق حينئذٍ سيكون بين التدليس والإرسال الجلي، وهو وجود المعاصرة وعدم وجودها، فالتدليس عنده انقطاع في الإسناد بشرط المعاصرة، سواء ثبت اللقاء أم لم يثبت، والإرسال انقطاع في الإسناد مع عدم المعاصرة.

والحقيقة أن الإرسال لا يختص بالانقطاع مع عدم المعاصرة، بل يشمل أيضاً الانقطاع مع وجود المعاصرة، على خلاف ما يرى العوني، وكذلك يشمل الانقطاع مع وجود اللقاء على خلاف ما يرى الحافظ ابن حجر، والتدليس يختص بالمعاصرة، سواء ثبت اللقي أم لا، وسيأتي بيان ذلك.

المطلب الأول: محل النزاع وهو موضع الالتباس

من المعلوم أن التدليس والإرسال انقطاع في الإسناد، وعليه فإن معرفة الفرق بينهما متوقفة على معرفة صور الانقطاع، وما يشتركان فيه منها وما ينفرد به كل واحد منهما.

ومعرفة صور الانقطاع في الإسناد بين الرواة تتوقف - في الحقيقة - على معرفة وجود المعاصرة والسماع، من عدم ذلك، وبحسب المعرفة بهذين الأمرين يكون الانقطاع ظاهراً أو خفياً، فكلما قويت المعرفة بثبوتهما كلما اشتد خفاء الانقطاع، والعكس بالعكس، كلما قويت المعرفة بعدم ثبوتهما كلما اشتد ظهور ذلك الانقطاع.

وعليه فمعيار الانقطاع هو وجود المعاصرة والسماع أو عدم وجودهما، ومعيار ظهور ذلك الانقطاع وخفائه هو مقدار المعرفة بثبوت هذين الأمرين من عدم ذلك، فيكون الانقطاع ظاهراً كلما قوي العلم بانتفاء واحدٍ منهما، ويكون خفياً كلما قوي العلم بوجود أحدهما أو كلاهما، وكذلك يكون خفياً كلما ضعف العلم أو انعدم بوجود أيٍّ منها أو انتفائه.

ومن المعلوم أن المعرفة أمرٌ نسبيٌ يختلف من شخص إلى آخر، فقد تكون المعرفة بوجود المعاصرة أو السماع قوية عند عالم، ومن ثم يكون الانقطاع في الرواية بالنسبة له خفياً، ولا تكون كذلك عند آخر فيكون الانقطاع بالنسبة له أقل خفاء، وقد تكون المعرفة بانتفاء أي منهما عند عالم قوية فيكون الانقطاع بالنسبة له ظاهراً، وقد تضعف المعرفة بذلك عند آخر فيكون في الانقطاع حينئذٍ نسبة من الخفاء، وهكذا.

وعليه فانتفاء السماع إذا كان ظاهراً يجعل الانقطاع ظاهراً، سواء علم انتفاء المعاصرة أم لا، ومن باب الأولى إذا علم انتفاء المعاصرة، إذ يلزم عليه انتفاء السماع.

وإذا ثبتت المعاصرة كان الانقطاع خفياً، سواء ثبت وجود السماع أم لا، وإذا ثبت وجود السماع كان الانقطاع خفياً من باب الأولى، إذ يلزم على ثبوته ثبوت المعاصرة.

وكذلك يكون الانقطاع خفياً عند عدم العلم بوجود أي منهما أو انتفائه، وإنما يكون ذلك عند ازدياد الجهل بحال الراوي أو المروي عنه، أو كليهما، إذ لا يمكن معرفة المعاصرة أو السماع بين راويين أحدهما أو كلاهما لا يدرى عنه شيءٌ، ومثل هذا الصنف من الرواة تكون روايته محتملة للانقطاع والاتصال في آن واحد، ومن ثم فإن وجود الانقطاع في روايته في الحقيقة أمرٌ في غاية من الخفاء، ولذلك نجد بعض الأئمة يعللون رواية المجاهيل بعدم العلم بالسماع.

وسبب ذلك في نظري هو أن الجهالة بحال الراوي ليست موضع طعن بالاتفاق، فقد يكون المجهول مقبول الرواية، إذ إن روايته للحديث وتسميته في الرواية مع عدم جرح العلماء له تقوي الاحتمال بعدم الطعن من جهته، إذ لو كان مطعوناً عليه لتكلم فيه الناس، وأما الانقطاع فإنه إحالة على مجهول العين أصلاً، فليس المحال عليه عند الانقطاع معروفاً باسمه بخلاف المجهول، ومن ثم فإن الاحتمال الموجود في رواية المجهول ليس موجوداً هنا، ولذلك كان تعليل بعض الأئمة لرواية المجهول بعدم العلم بسماعه تعليلاً مما منه الخشية في الحقيقة وهو الانقطاع.

وعليه فينبغي أن ينحصر الخلاف في التفريق بين الإرسال والتدليس في الصور التي يكون الانقطاع فيها خفياً، وذلك لمعرفة ما يكون منها من قبيل الإرسال وما يكون منها من قبيل التدليس، لأن الانقطاع الظاهر ليس موضع التباس، لأن أهل العلم إنما يفرقون بين التدليس والإرسال عند الالتباس، ولا التباس عند ظهور الانقطاع، ومن ثم اتفق كل من يعتد به على تسمية ما رواه التابعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا واسطة إرسالاً، لا تدليس فيه.

الخلاصة

قال مقيده - عفا الله عنه -: ما تقدم ذكره هو - في الحقيقة - خلاصة القول في سبب وجود الانقطاع وعدمه، وخفائه وظهوره، وهو مقتضى النظر وأقوال أهل العلم، ويمكن تفريع صور كثيرة من الانقطاع بناء على ذلك إلا أن نصوص أهل العلم تقتصر في هذا الصدد على ذكر ثلاث صور من الانقطاع، لوضوحها ولكون غيرها تابعاً لها، وملحقاً بها بوجه من الوجوه، وهي التي ينبغي الاقتصار عليها في هذا البحث لئلا يتشعب الكلام، ويخرج الموضوع عن المقصود.

وهذه الصور هي ما يلي؛

1 - الصورة الأولى: رواية غير المعاصر، وهو من ثبت عدم معاصرته لمن روى عنه، والانقطاع في هذه الصورة ظاهر جلي.

2 - الصورة الثاني: رواية المعاصر غير الملاقي، وهو من ثبتت معاصرته، ولم يلاق في حقيقة الأمر، سواء ثبت عندنا عدم ملاقاته أم لا، والانقطاع في هذه الصورة خفي.

3 - الصورة الثالثة: رواية المعاصر الملاقي، وهو من ثبتت معاصرته، وثبت لقاؤه، سواء علمنا ثبوت السماع أم لم نعلم، والانقطاع في هذه الصورة خفي.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير