تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

أما الشريط الوثائقي المحترف، فأثره أعمق وأكبر، وإن كان لا يتمتع بنفس الانتشار. وفي اعتقادي أن الجودة مقدمة على الكمية في مثل هذه المواضيع.

وأحسب أن من أهم عوامل نجاح فيلم وثائقي كهذا في أوساط غير المسلمين ما يلي:

1 - أن يدع جانبا عادة (التغني بالأمجاد التليدة) وتصديرنا للعلم للعالم في القرون الماضية، ومنطق (كنا .. وكان أجدادنا) التي لا تحسنها أمة في العالم كما تحسنها أمتنا. ونحن، المسلمين في الغرب، من أكثر من يعاني من تبعات هذا الخطاب، واستهزاء المستهزئين منه. وقد أخبرني من أثق بهم بما حصل لهم في مؤتمر علمي دولي (لا صلة له بالدين) تم مؤخرا في دولة عربية، دعي فيه الحاضرون (وأكثرهم علمانيون لا يؤمنون بشيء) على هامش المؤتمر، إلى أنشطة دعوية خالصة تروي لهم أمجاد المسلمين في تأسيس العلوم، وتدعوهم إلى الدخول في الإسلام. فكان ذلك محل تندر وتهكم.

2 - المصداقية (العدل، الصدق، التوازن، الإتقان) وعدم المبالغة في دغدغة العواطف.

3 - الحرفية العالية.

أخي العزيز:

يبدو أن طرح سؤالك هذا جاء نتيجة ما يجري من أحداث راهنة حول فتنة الرسوم الكاريكاتورية. ومن المؤسف أن ما يجري من ردود أفعال لا يغني ولا يسمن من جوع لحد الآن: إصدار بيانات، مظاهرات، رفع شعارات، إنشاء منظمة لنصرة النبي (ص) ... وآخرها ما سمعت عنه من إعلان أحد الدعاة في اليمن إنشاء قناة تلفزيونية خاصة بنصرة النبي (ص) ...

أقدر هذه الأفعال وحسن النية وراءها، وصدق الرغبة في القيام بواجب يعبر عن محبتنا للنبي (ص) .. غير أنني، مع كامل التقدير، لا أرى في أي من هذه الأعمال ما يوحي بثمرة إيجابية من ورائه، في ظل التناقضات والوضع المتردي للأمة.

ولا أقول هذا الكلام من باب التشاؤم ولا من باب الانتقاص من جهد الآخرين، معاذ الله، ولكن من باب معايشة واعية لواقع الغرب.

وما يؤرق المسلم فعلا، هو البحث عن جواب لسؤال أكبر يحتاج فعلا لتأمل عميق: ما هو الأسلوب الأمثل لتبليغ دعوة الإسلام إلى الغرب والشرق، والشمال والجنوب، في صورتها الحقيقية كما أرادها الله عز وجل لرسالته؟

واقعنا المعاصر مليء، كما قلت، بالمتناقضات والفرقة والشحناء، والخطاب العاطفي المتشنج، المعتد بنفسه. وخطابنا الراهن يستدعي في غالبه خلافات الماضي بين الأشاعرة والماتريدية، والفرقة الناجية ومن أهل السنة الحقيقيون (أهم الأشاعرة أم غيرهم) ..

ولا أريد أن أسترسل في وصف المساحات القاتمة أو المؤسفة في واقعنا ...

غير أنني مضطر لوصف بعض الواقع هنا، مما قد لا تجدون أحدا يصرح به علنا:

فمن خلال تواصلي شبه اليومي بالمهتدين الجدد، لاحظت أن كثيرا منهم يدخل الإسلام من خلال تجربة وجدانية خاصة، إما عن طريق تأثره بسلوك أصدقائه المسلمين، أو نتيجة بحثه الفكري الخالص، إلخ. وعادة ما يكون التحول في لحظة شفافية وصدق مع الذات.

غير أن أكثر هؤلاء لا يمر عليهم سوى بضع أسابيع (أو لأقل: شهر العسل في اهتدائه للإسلام) حتى تبدأ متاعبه الناتجة عن مخالطة مجتمع المسلمين، ورغبته في فهم تفاصيل الدين الفقهية والعقائدية والأخلاقية.

ومع أول صلاة له في المسجد، تبدأ رحلة معاناته مع المسلمين الحريصين على استقطابه، فيتداعون إليه كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. وبعد فترة من الشعور بالزهو للاهتمام الذي يلاقيه ممن حوله من المسلمين، يبدأ في الضجر من المواضيع التي يفرض عليه فهمها منذ بداية الرحلة:

- الموسيقى والغناء

- طول اللحية

- الختان (إن كان رجلا)، وأحمد الله أنني لم أتعرض لحد الآن لسؤال عن حكم الخفاض، وأدعو الله ألا أسأل عنه:)

- دار الحرب ودار السلم، ودار الكفر ودار الإسلام

- البدعة

- الصوفية

- فلسطين وأفغانستان والعراق

- الحرب مع الأعداء (اليهود وأنصارهم)

- الحذر من القراءة للعالم الفلاني والعالم الفلاني، والاكتفاء بكتب الشيخ الفلاني الذي يمثل وحده المنهج الحق.

- مشروعية تهنئة النصارى في أعيادهم

- مشروعية الاحتفال بذكرى المولد النبوي

- ...

وهو في كل هذا، يتلقاه من أشخاص لا يتورعون عن استعمال أساليب الاستهزاء والتفسيق والتبديع والغيبة والنميمة، مع قلة علم بالقرآن والسنة، ومع جهل مطبق بمواطن الخلاف والأولويات في الخطاب الدعوي المتدرج.

وقد عاينت حالات مؤلمة من التخلي عن الإسلام، ناتجة عن هذه المعاناة. ولولا يقيني برحمة الله بعباده لاعتبرت أن أكبر فتنة لهؤلاء المهتدين لا تكمن في دخولهم إلى الإسلام، وإنما تكمن في اضطرارهم إلى مخالطة المسلمين.

...

أخي د. أحمد،

لعلك تتساءل لماذا طفت بك كل هذا الطواف؟

وجوابي: لأنني أعتبر أن من مهامنا القصوى التي لا تحتمل التراخي: هو إصلاح ما بأنفسنا قبل كل شيء، وتنظيف بيتنا، وترتيب محتوياته والتصالح بين أفراد الأسرة، قبل دعوة الضيوف لزيارتنا، فما بالك بأشخاص ندعوهم لأن يصبحوا من أهلنا ويقيموا معنا في نفس البيت؟

...

والحمد لله على (فشة الخلق) ولك الشكر على إتاحتها لي:)

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير