تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فالجابري له أصل عرف به في جل كتبه، ظل وفيا له في مؤلفه الأخير أيضا، وهو سوقه ما يسعفه من روايات الفرق الضالة المنتسبة للإسلام، كالرافضة والمعتزلة والجهمية .. ، في سياق واحد مع دعوة أهل الحق -أهل السنة والجماعة-، من غير بيان أو إيضاح، ليَلبِس بذلك الحق بالباطل، وهو عين ما صرح به في كتابه التراث والحداثة (ص:260) بقوله: "يمكن أن نمارس النقد اللاهوتي من خلال القدماء، يعني نستطيع بشكل أو بآخرَ استغلال الحوار الذي دار في تاريخنا الثقافي ما بين المتكلمين بعضهم مع بعضٍ، ونوظِّفَ هذا الحوار، لنا حرمات يجب أن نحترمها حتى تتطور الأمور، المسألة مسألة تطور".

هنا يظهر التفاوت الكبير بين وعيين وموقفين من التاريخ هما موقف الجابري وموقف كاتب المقال الذي نعلق عليه لأنه يمثل رأي شريحة من شرائح المجتمع.

إن مرجعية الجابري هي العقل ومرجعية الكاتب هي خليط من الآراء خلال ألف سنة بشرط صدورها عن كيان مختلف المشارب مترامي الأطراف.

وأهل السنة في القرن الثاني كانوا هم الأمة، ولذلك كان منهم من أيد زيد بن علي ومنهم من ثار مع بني العباس حين دعوا إلى الرضا من آل محمد ومنهم من اعتزل، ولكن ما نسميه اليوم أهل السنة هو تيار بدا بالتشكل بأن جعل من نفسه خصما للمعتزلة، والمعتزلة من الأمة لا يجوز إخراجهم منها ولا الحكم على مجموعهم بجملة واحدة، بل كان منهم الصالحون ومنهم العلماء الفضلاء ومنهم دون ذلك، فهل يريد كاتب المقال من أكبر أستاذ فلسفة في الوطن العربي أن يكون مصنفا داخل تيار نشأ في التاريخ!!

بل إن أحسن تعريف للمعتزلة هو تعريف الجابري نفسه بأنهم "مجموعة مثقفين اتفقوا على خمسة أصول هي العدل والتوحيد والوعد والوعيد والمنزلة بين بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"

لو كان ذلك ممكنا لدعوناه إلى حظيرتك ولكن صدقني يا أخ أن هذا غير ممن بحكم الضرورة.

وأما حشرك لاسم الرافضة مع المعتزلة فهذا من التعصب الصادّ عن الحق فإنه لا يوجد إنسان في التاريخ عرّى الرافضة فكريا كما فعل الجابري حيث اكتشف أصل فكرهم الهرمسي وحدد حدود الغنوص في كتابه بنية العقل العربي بما لا مزيد عليه.

ولو كانت الحياة فكرا فقط، لما قامت للرافضة بعد الجابري قائمة، ولكن الحياة كتل سياسية تقوم بإنفاق أموال طائلة لبناء مؤسساتها ووسائل إعلامها لنشر أيديولوجياتها. ولا ننكر أن الجابري لا يُقرأ جيدا بين تلاميذ المؤسسة السنية التقليدية بل يقرؤه الأكاديميون وخريجو المدارس الحكومية، ذلك أن العلوم العقلية مهملة عند المؤسسة التقليدية فهي تمارس العلم بعقل فطري بسيط، لا بعقل رياضي ذي أصول تجريبية علمية كما يفعل العالم المتقدم، ولذلك لم تقم كتابات الجابري بتطويرها المرتجى رغم أنّه يبدأ مع قارئه من الصفر ويمتلك قدرة عجيبة على تسلسل الأفكار كأنه مبرمج محترف، فهو لا يقفز إلى النتيجة حتى يعرض مراحل تدرج الفكرة لتؤدي إليها، وهذه قدرة لا يمتلكها كثير من المفكرين. ونحن اليوم كما يقول الدكتور نبيل علي "أن مطالب اللحاق بركب هذا العصر أوضحت مدى العجز الذي يعانيه العقل العربي في مواجهة التعقد الشديد الذي أصبح السمة الغالبة للمجتمع الإنساني المعاصر، وأبرزت مدى قصور أدواتنا الذهنية ووسائلنا التقنية في مواجهة ظاهرة الانفجار المعرفي التي تتفاقم حدتها يوما بعد يوم" فنحن بحاجة إلى مفكرين وفلاسفة نزيهين لا يعلم حجمها إلا الله.

لقد وصف الدكتور يوسف نور عوض كتاب الجابري بأنه نوع من الكتب التي يوهم القارئ بأنه يتحدث في أمور خطيرة ويتناولها بطريق علمية وموضوعية، ولكن المتأمل فيه يدرك أن الكتاب فارغ المضمون، وأنه مليء بالمغالطات والآراء غير العلمية بعكس الدعاية الكبيرة له.

إذا كان المقصود هو كتابه مدخل إلى دراسة القرآن فلا اعتراض كبير لي على ذلك لأني قد قدمت أنه أضعف كتب الجابري على الإطلاق. وإذا كان المقصود مشروعه نقد العقل العربي أو كتب الجابري الأخرى فهو كقول رجل المتنبي غير شاعر!!

وأن أمثاله -أصحاب اتجاه النقل المقصود به الهدم- يزعمون أنهم يناقشون قضايا المجتمع العربي الإسلامي من منظور علمي مع أنهم في الحقيقة يحاولون عمداً هدم الإسلام من الداخل، ذلك أن معظم الكتاب العرب الذين بدأوا يستخدمون هذا المنهج، لم يحاولوا في الواقع نقد المنهج ذاته بل استخدموه بأقصى درجات التطرف من أجل تفتيت كيان الأمة الثقافي. تارة تحت اسم (سوسيولوجيا المعرفة) وأخرى تحت اسم (سوسيولوجيا النقد).

وفي انتظار القسم الثالث الذي سيتناول فيه الجابري "تفسير" السور المدنية والتي لا مناص له فيها من الحديث عن جانب التشريع والحكم والسياسة وغيرها من الأمور، لا يحق لنا أبدا أن نلدغ من جحر مرارا متعددة، وأن نسمح لأي كان أن يشككنا في ديننا، أو يزعزع عقيدتنا في القرآن، ويخلط علينا الأمور ويلبسلها علينا".

وهذا رابط المقال في الجريدة المذكورة:

لا يجوز مصادرة جهود الرجل بهذه الطريقة وإن كان الكاتب ما يزال شابا،ولا يجب أن يبعث اي كتاب يتناول تاريخ جمع القرآن أي شك في قلب المسلم، فالقرآن كلام الله تعالى حفِظ لنا بجهود الصحابة وأبنائهم وأحفادهم جيلا عن جيل بحسب قدرة التاريخ على الحفظ على أتم ما يُمكن. وحتى لو لم يتمكن التاريخ من حفظ آية أو آيتين فإن معنى ذلك أن الله تعالى لم يشأ أن تدوّن. وهو القائل إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فالله تعالى قد حفظه لنا بالهيئة التي أراد وتمت بها مشيئته ولله الحمدُ والمِنة.

إن الجابري رجل مجدد وهو بلا شك رجل (دنيوي) لأنه قد اختار هذا الطريق لكنه ليس

ضدّ الإسلام ولا ضدّ الدين، بل هو مفكّر وأستاذ متمرس ما نشك في نزاهته وتواضعه وأنه قد اختطّ طريقا ينفع الأمة، لكن هل سينفعه عند الله؟ برغم أنه ليس من واجبنا ذلك لكنا نرجو الله أن يُحسن خاتمته وأن يجعل موته على لا إله إلا الله محمد رسول الله.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير