تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

قديم عامي للقرآن الكريم بلهجة النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا النص الدارج تم تحويله إلى لغة الشعر الجاهلي في فترة الفتوحات الإسلامية. يقول فولرز إن الدافع وراء هذا التحويل (أو قل: الترجمة) كان الرغبة في رفع لغة القرآن لمستوى لغة الشعر الجاهلي. ويستمر ليقول إن المسؤولين عن عملية الترجمة تلك كانوا حازمين فيما يخص تحقيق الهمزة والتصريف الإعرابي بالذات، وسمحوا لدون ذلك من السمات أن تظهر في نطق القرآن أو في القراءات البديلة في بعض الأحيان". فى ضوء هذا كله ألا يحق لنا أن نتساءل: من أين يا ترى أتى د. أنيس بمقالته فى عدم إعراب اللغة العربية فى البداية بما يترتب عليه من القول بأن القرآن المجيد لم يكن بالتالى معربا، ثم أُعْرِب فيما بعد؟

وإضافة إلى هذا فمن المعروف أن اللغة العربية لا تجرى فى بناء الجملة دائما على نظام ثابت أو شبه ثابت كاللغات الأوربية التى نعرفها: الفاعل أولا، فالفعل ثانيا، فالمفعول ثالثا، فشبه الجملة رابعا، بل هى لغة مرنة منذ أقدم نصوصها التى وصلتنا من الشعر والأمثال والخطب. فتارة يأتى الفاعل فى بداية الكلام (وهو ما نسميه الآن: مبتدأ)، وتارة يأتى عقب الفعل كما هو الحال فى الجمل الاعتيادية التى لا يميزها شىء ولا ترنو إلى إحداث تأثيرات خاصة لا تستطيعها إلا جمل ذات نظام مختلف قليلا أو كثيرا عن المعتاد الرتيب، فيها تقديم أو تأخير أو حذف أو اعتراض ... إلخ. وتارة يأتى الفاعل بعد المفعول به، بل بعده وبعد شبه الجملة والحال والتمييز وأى عنصر آخر يأتى سابقا عليه فى التراكيب المعتادة. وهذا مجرد مثال. فلو طبقنا هذا على القرآن فنرجو أن يقول لنا د. أنيس كيف كان على العرب فى عصر المبعث قبل أن يظهر الإعراب أن يفهموا تلك الجمل والعبارات القرآنية التى لا تجرى على النظام الوَتِيرِىّ الذى يحسنه كل أحد ولا يتميز عادة بشىء؟

هذا، وما أكثر ذلك النوع من الجمل والعبارات على عكس ما يزعم سيادته، إذ حصرها فى أمثلة معدودة كما هو الحال فى الآيات التالية: "فأوجس فى نفسه خيفة موسى"، "فلما جاء آل لوط المرسلون"، "أنَّى يحيى هذه الله بعد موتها"، "حضر يعقوب الموت"، "جاء أحدكم الموت"، "مس الإنسان ضرّ" (من أسرار اللغة/ 226 - 227)، مما يسهل على المتلقى فهم معناه دون إعراب. ومع هذا فحتى لو صدقنا دعواه وقلنا إنه لا يوجد فى القرآن سوى هذه الأمثلة وأشباهها، فهل يسهل فهم معناها كما قال؟ إنه ليمكن أن يفهم بعض الناس من المثال الأول أن هناك من أوجس فى نفسه الخيفة التى أوجسها موسى على اعتبار أن "خيفة" مضاف، و"موسى" مضاف إليه. كما أن بعضهم يمكن أن يتصور أن "آل لوط" هم الذين جاؤوا المرسلين لا العكس. لكن وجود الإعراب سوف يحل المشكلة من جذورها ولن يترك بابا للَّبْس والخلط.

على أن الأمثلة التى ضربها الأستاذ الدكتور ليست كل الأمثلة التى يمكن الاستشهاد بها فى هذا السياق، بل هناك أمثلةٌ أخرى جِدُّ كثيرة. خذ مثلا قوله عز وجل: "مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ" (البقرة/ 105)، فكيف نفهم "المشركين" لو كانت بدون إعراب؟ أنقول إنها داخلة فى "الذين كفروا"، أى معطوفة على "أهل الكتاب"؟ أم هل نقول إنها خارجة عن "الذين كفروا"، ومعطوفة عليها لا على أهل الكتاب؟ وخذ عندك كذلك: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ" (البقرة/ 127)، واسأل نفسك: ما موقع إسماعيل هنا؟ آشترك مع أبيه فى رفع البيت، أم مع البيت فى رفع أبيه له هو أيضا، إذ رَفَع البيت رفعا ماديا، ورَفَعَه هو رفعا معنويا؟ وخذ عندك ثالثا الآية التالية: "وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ" (البقرة/ 132)، وقل لى: هل وصَّى إبراهيم بنيه ووصى معهم يعقوبَ أيضا، فعندنا موصٍّ واحد؟ أم هل وصى إبراهيم بنيه، ووصى يعقوبُ بنيه هو أيضا، فعندنا إذن موصِّيان؟ وخذ عندك رابعا قوله تعالى: "رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ" (آل عمران/ 192)، فما المقصود به؟ هل المقصود أنك أنت يا رب الذى تدخل الناس النار، فقد أخزيتَ فلانا؟ أم هل المقصود أن من تدخله النار يا رب فقد أخزيتَه؟ لا يفصل فى الأمر هنا إلا

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير