تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ولو تأملتَ حال الأمة أيامَ تحرير المسجد الأقصى مِنَ الصليبيين؛ لوَجدتَ أنَّ وَحْدَةَ القِيادة والروابطَ الوَثيقةَ بين الأمَّة وقيادتِها -مُتمثلةً في نور الدين محمود ثم صلاح الدين -رحمهما الله- مِن أعظم أسباب النصر. أما إذا كُنَّا لا نزال في مَرحلة (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) (البقرة:247)؛ فما يَزال أمامنا طريقٌ طويل قبل التحرُّك المطلوب! فهل نَعِي هذا الدرسَ العظيمَ؟!

ثم يأتي التوجيه الثاني: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)؛ وفيه تفسيرانِ كلاهما حَقٌّ:

الأول: صَلُّوا في بُيوتكم؛ حيث عَجَزُوا عن المساجد.

الثاني: اجعلوها يُقابِل بَعضُها بَعضًا.

فالأول: إقامة الصلاة، وقد أتى بعد ذلك صَرِيحًا في قوله -تعالى-: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ)؛ فيكون توكيدًا لهذا المعنى أو تأسيسًا له لو حُمِلَتْ الآيةُ على المعنى الثاني، فالصلاة أعظم واجبات الإسلام بعد الشهادة بالتوحيد والرِّسالة، وهي مَفزَعُ النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا حَزَبَهُ أمْرٌ، وهي مِفتاحُ أنواع الخير، ومَحَلُّ الدعاء والاستغاثة بالله -تعالى-، ومَحَلُّ تدبُّرِ آياتِ القرآن وفَهمِ أوامرِه وتوجيهاتِه، ومَحَلُّ الاستنصارِ ونُزولِ المِنَنِ والهِبَاتِ الإلهيةِ على عِباده، ولقد وَقَفَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طِيلةَ ليلةِ بدر تحتَ شجرة يُصلِّي حتى وُهِبَ النصرَ، ووَقَفَ يُصلِّي ليلةَ الأحزاب طَوَالَ الليل حتى نَزَلَ النصرُ، ووُهِبَ زكريا -عليه السلام- يحيى وهو قائمٌ يصلي في المحراب، فالصلاة قُرَّةُ عين المؤمن، بها يَتغيَّر وَجه العالم، فهل قُمنا بذلك وغيَّرنا مَوازينَ الحياة؟! هل وَعَيْنا الدرسَ؟!

والمعنى الثاني: واجعلوا بيوتكم يُقابِل بَعضُها بَعضًا؛ فهذا فيه تَرَابطُ أفراد الأمَّة بَعضُهم ببعض؛ فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بَعضُه بَعضًا، والمؤمنون كالجسد الواحد، والتَّجاورُ في المَساكن والتَّزاورُ وتفقُّدُ الأحوال إنما يَرمِي إلى تحقيق هذا الهدف وإزالةِ ما يُمكِن أن يوجد مِن اختلافات وتفرُّقات ومُنازعات.

إنَّ قوةَ الترابط بين أفراد الأمة وقِلَّةَ التنازع لهو سِمِةٌ ضروريةٌ للطائفة المؤمنة المُهَيَّأَةِ للتمكين، أفتَرَونَ أمَّةً تتنازع وهي في مرحلة الاستضعاف؛ ماذا يصنع بعضُها ببعض إذا مُكِّنَ لها وعند وجود السلطان والمال والسلاح؟! إذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يَخشى على أصحابه الذين رباهم على عَيْنه أن تُفتَح عليهم الدنيا، فيتنافسوها كما تنافسها مَن قبلَهم؛ فتهلكهم كما أهلكتهم؛ فما تَرَوْنَ فيمن بَعدَهم ممَّن لم يَتَرَبَّ مِثلهم، ولا أَخلَصَ مِثلهم، ولا صَدَقَ مِثلهم؟!

إنَّ ضَعفَ الروابط بين الأفراد وكثرةَ المنازعات مِن علامات إرادة الدنيا وضعفِ الإخلاص والصدق؛ ممَّا تكون مصلحة الأمَّة فيه أن تبقى في فترة الإحراق ولا تتحول إلى فترة الإشراق؛ لأن فترةَ المِحنة تؤدي إلى خُمود الأمراض، وفترةَ التمكين تؤدي إلى ظهور الأعراض لهذه الأمراض.

فهل نعي الدرس ويُحِبُّ بعضُنا بعضًا، ويَحتمل بعضُنا بعضًا، ويَرحَم بعضُنا بعضًا، ويُشفِق بعضُنا على بعض، ويَنصَح بعضُنا بعضًا، ويَقبَل كلٌّ منا نصيحةَ الآخَر، ونُحقِّق الأخُوةَ التي يَزول معها البُؤس بما يَفعل الأعداءُ (إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (يوسف:69)، أم ما زال بعضُنا يُوالي أعداءَ أمته على حساب إخوَتِه؟!

ثم يأتي التوجيه الثالث: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ): للتوكيد على المعنى الأول، أو لتأسيس هذه الضرورة للطائفة المؤمنة في كل أوقاتها، وقد سَبَق بيانُه وأهميتُه. "

إنَّ ضَعفَ الروابط بين الأفراد وكثرةَ المنازعات مِن علامات إرادة الدنيا وضعفِ الإخلاص والصدق

"

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير