تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

القول الأول: أن معنى الآية: ولقد همت المرأة بيوسف، وهمّ بها يوسف أن يضربها أو ينالها بمكروه لهمها به مما أرادته من المكروه. قالوا: والشاهد على صحة ذلك قوله: ? كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ? قالوا: فالسوء: هو ما كان همّ به من أذاها، وهو غير الفحشاء.

والقول الثاني: هو القول الأول الذي ذكره ابن القيم.

وقد بيّن ابن جرير أن هذين القولين فاسدان لعلتين:

العلة الأولى: أن العرب لا تقدم جواب «لولا» قبلها، لا تقول: لقد قمت لولا زيد، وهي تريد: لولا زيد لقد قمت.

والعلة الثانية: خلافهما جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين عنهم يؤخذ تأويله.

والقول الثالث: هو القول الذي رجحه ابن القيم، غير أن جعل الهمين نوعاً واحداً، وهو أنه الميل الذي بين الفعل والترك، لا هم العزيمة والإرادة.

ولم يعلق على هذا القول بشيء يخصه. ([9])

وذكر ابن عطية ثلاثة أقوال: قول ابن جرير، والقول الذي رجحه ابن القيم، والثالث: أن المراد: هم أن يضربها. وقد حكم على هذا القول بأنه ضعيف البتة. ثم قال: (والذي أقول في هذه الآية: إنّ كون يوسف نبياً في وقت هذه النازلة لم يصح، ولا تظاهرت به رواية؛ وإذا كان ذلك فهو مؤمن قد أوتي حكماً وعلماً، ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته، وإن فرضناه نبياً في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو الخاطر، ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حلّ تكة، ونحو ذلك لأن العصمة مع النبوة. ...

وللهم بالشيء مرتبتان: فالأولى تجوز عليه مع النبوة، والثانية الكبرى لا تقع إلا من غير نبي؛ لأن استصحاب خاطر المعصية والتلذذ به معصية تكتب، وقول النبي r )) إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تنطق به أو تعمل ((([10])

معناه: من الخواطر، وأما استصحاب الخاطر فمحال أن يكون مباحاً، فإن وقع فهو خطيئة من الخطايا، لكنه ليس كمواقعة المعصية التي فيها الخاطر ... والإجماع منعقد أن الهم بالمعصية، واستصحاب التلذذ بها غير جائز ولا داخل في التجاوز.) ([11])

وأما الرازي فقد بدأ بذكر قول الواحدي في البسيط، قال: (قال الواحدي في كتاب «البسيط»: قال المفسرون الموثوق بعلمهم، المرجوع إلى روايتهم: همّ يوسف أيضاً بهذه المرأة هماً صحيحاً، وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه.) ثم نقل بعض الآثار التي أورده الواحدي، ثم قال: (ثم إن الواحدي طوّل في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب، وما ذكر آية يحتج بها، ولا حديثاً صحيحاً يعول عليه في تصحيح هذه المقالة، وما أمعن النظر في تلك الكلمات العارية عن الفائدة .... ثم قال [أي الواحدي]: والذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء عليهم السلام وارتفاع منازلهم عند الله تعالى من الذين نفوا الهم عنه. فهذا خلاصة كلامه في هذا الباب.) ([12])

ثم شنّع عليه، وعلى القائلين بأن يوسف عليه السلام قد همّ بامرأة العزيز هماً صاحَبَه بعض مقدمات الفاحشة، ورجح أنه عليه السلام كان بريئاً عن العمل الباطل، والهمّ المحرم. قال: (وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين، وبه نقول وعنه نذب.) ثم بيّن ذلك بياناً حسناً، وذكر أن الآيات الكريمة تدل على براءته من كل ما نسب إليه من عدة وجوه.

ثم ذكر أن في تفسير همّ يوسف المذكور في الآية ثلاثة أقوال صحيحة:

القولان اللذان ذكرهما ابن القيم، والثالث: المراد أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه، ومنعِها عن ذلك القبيح؛ لأن الهم هو القصد، فوجب أن يحمل في حق كل أحد على القصد الذي يليق به. فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتمتع، واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته، وإلى الأمر بالمعروف النهي عن المنكر؛ يقال: هممت بفلان أي بضربه ودفعه.

وقد ذكر خلال ذلك ما يرد على كل قول من هذه الثلاثة من إشكالات، وأجاب عليها، وبيّن أنه لا حجة لمن ضعف شيئاً منها.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير