تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

لقد تتبع الشيخ أقواله، وشدّد الرد عليها، وكأنه أخذ على عاتقه إبطالها، وإثبات فسادها، فقد رأى أن هذه الأقوال تتعارض مع فكرة النظم التي تقوم على توخّي معاني النحو، ووَصَفَها بأنها بيّنة التهافت والسقوط، وأنها فاحشة الغلط، وأن الناظر فيها لا يرى موضعاً صحيحاً، ولا يرى باطلاً فيه شوب من الحق، وزيفاً فيه شيء من الفضة، ولكن يرى الغِشّ بحتاً، والغيظ صرفاً (7).

وفيما يلي ردود الشيخ على العبارة الأولى من كلام القاضي عبد الجبار "واعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد ... ":

"وإذا ثبت أنه ـ يقصد الإعجاز ـ في (النظم) و (التأليف)، وكنا قد علمنا أنْ ليس (النظم) شيئاً غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأنّا إنْ بقينا الدهر نُجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكاً ينظمها، وجامعاً يجمع شملها ويؤلفها، ويجعل بعضها بسبب من بعض، غير توخي معاني النحو وأحكامه فيها، (8) طلبنا ما كل محال دونه، (9) فقد بان وظهر أن المتعاطي القول في (النظم)، والزاعم أنه يحاول بيان المزية فيه، وهو لا يَعرِض فيما يعيده ويبديه للقوانين والأصول التي قدمنا ذكرها، ولا يسلك إليه المسالك التي نهجناها، (10) في عمياء من أمره، وفي غرور من نفسه، وفي خداع من الأماني والأضاليل (11)؛ ذلك لأنه إذا كان لا يكون (النظم) شيئاً غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، كان من أعجب العجب أن يزعم زاعم أنه يطلب المزية في (النظم)، ثم لا يطلبها في معاني النحو وأحكامه التي (النظم) عبارة عن توخيها فيما بين الكلم" (12).

"واعلم أن السبب في أن لم يقع النظر منهم ـ يقصد المعتزلة ـ موقعه، أنهم حين قالوا: (نطلب المزية) (13)، ظنّوا أن موضعها (اللفظ) بناء على أن (النظمَ) نظمُ الألفاظ، وأنه يلحقها دون المعاني، وحين ظنّوا أن موضعها ذلك واعتقدوه، وقفوا على (اللفظ)، وجعلوا لا يرمون بأوهامهم إلى شيء سواه، إلا أنهم ـ على ذلك ـ لم يستطيعوا أن ينطقوا في تصحيح هذا الذي ظنّوه بحرف، بل لم يتكلموا بشيء إلا كان ذلك نقضاً وإبطالاً لأن يكون (اللفظ) من حيث هو لفظ موضعاً للمزية، وإلا رأيتهم قد اعترفوا ـ من حيث لم يدروا ـ بأن ليس للمزية التي طلبوها موضعٌ ومكان تكون فيه، إلا معاني النحو وأحكامه؛ وذلك أنهم قالوا: "إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات، وإنما تظهر بالضمّ على طريقة مخصوصة" (14)، فقولهم (بالضمّ)، لا يصح أن يراد به النطق باللفظة بعد اللفظة، من غير اتصال يكون بين معنييهما؛ لأنه لو جاز أن يكون لمجرد ضمّ اللفظ إلى اللفظ تأثير في الفصاحة، لكان ينبغي إذا قيل: " ضحك، خرج"، أن يحدث في ضمّ "خرج" إلى "ضحك" فصاحة! وإذا بطل ذلك لم يبقَ إلا أن يكون المعنى في ضم الكلمة إلى الكلمة، توخي معنى من معاني النحو فيما بينهما، وقولهم: "على طريقة مخصوصة"، يوجب ذلك أيضاً، وذلك أنه لا يكون للطريقة ـ إذا أنت أردت مجرد اللفظ ـ معنىً.

وهذا سبيل كل ما قالوه، إذا أنت تأمّلتَه تراهم في الجميع قد دُفعوا إلى جعل المزية في معاني النحو وأحكامه من حيث لم يشعروا؛ ذلك لأنه أمر ضروري لا يمكن الخروج منه" (15).

"وكيف لا يكون في إسار الأُخْذة (16)، ومَحُولاً بينه وبين الفكرة، مَن يسلِّم أن الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات، وأنها إنما تكون فيها إذا ضُمّ بعضها إلى بعض (17)، ثم لا يعلم أن ذلك يقتضي أن تكون وصفاً لها، من أجل معانيها، لا من أجل أنفسها، ومن حيث هي ألفاظٌ ونطقُ لسان؟ ذاك لأنه ليس من عاقلٍ يفتح عين قلبه إلا وهو يعلم ضرورة أن المعنى في "ضمِّ بعضها إلى بعض"، تعليقُ بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، لا أن يُنطَق بعضُها في أثر بعض، من غير أن يكون فيما بينها تعلُّق، ويعلم كذلك ضرورة إذا فكّر، أن التعلق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بينها أنفسها، ألا ترى أنّا لو جهدنا كل الجهد أن نتصور تعلّقاً فيما بين لفظين لا معنى تحتهما، لم نتصوّر؟ ومن أجل ذلك انقسمت الكلم قسمين: "مؤتلف"، وهو الاسم مع الاسم، والفعل مع الاسم، و"غير المؤتلف"، وهو ما عدا ذلك، كالفعل مع الفعل، والحرف مع الحرف، ولو كان التعلق يكون بين الألفاظ، لكان ينبغي أن لا يختلف حالها في الائتلاف، وأن لا يكون في الدنيا كلمتان إلا ويصح أن يأتلفا؛ لأنه لا تنافي بينهما من حيث هي ألفاظ. وإذا كان كل واحد

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير