تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

. وعندما يرتبط المكان الذي تريد- الجهة التي تتجه إليها- ذلك المكان الذي تقبل عليه وتنجذب إليه، وقد يبطل صلاتك- أو حياتك؟ – أن تحيد عنه .. عندما يرتبط هذا المكان بموقع جغرافي محدد .. فأنت تعلم أنه يخزن في أعماقه الكثير من المعاني والإيحاءات التي ستغني حياتك وتزيدها ثراءاً وخصوباً وإثماراً ..

.. نعم، هذا الموقع المحدد، قد يمتك لك الكثير من الأسرار .. الكثير من المفاجئات ..

قد يبدو ذلك منبسطاً للوهلة الأولى، لكنه سيمنحك قمماً لم تتخيل قط أنك ستبلغها ..

.. وقد يبدو لك حاراً جافاً عندما تزوره للمرة الأولى، لكنه سيغمرك بنسيم ينعشك ويكاد يعيدك الى الحياة، وسيزهر الربيع في قلبك كمفاجئة غير متوقعة- وقد كنت تتخيل دوماً أنه قد دخل صقيعه الدهري وموسم جفافه اللانهائية ..

لكن ها هو يتبرعم، وها هو يزهر .. وها هو يثمر وقد كنت تتخيله عقيماً منذ قرون ..

.. قد يبدو لك أجرداً- في وادٍ غير ذي زرع! - ولن تصدق كيف سينشر البساتين والجنان في أعماقك وسهولك ووديانك .. لن تصدق كم سيكون خصباً .. هذا الوادي الذي بلا زرع.

ربما ستمسك بحفنة من الرماد في قبضة يدك وتتأملها ثم تقول أنها لن تصلح لشيء. ربما سيقول خبير التربة ذلك أيضاً…

لكنك لن تدري أنها يمكن أن تكون سماداً لكل حياتك ..

* * *

لماذا مكة؟.

لماذا مكة بالتحديد؟ .. لماذا ذلك البيت العتيق تحديداً؟ .. ما الذي فيه بالضبط؟ .. يجعلنا (نرجع) إليه .. حتى لو لم نكن قد ذهبنا إليه أصلاً .. وما الذي فيه يجعل قلوبنا تهوي إليه .. وتهوي .. وتهوي .. ما الذي فيه يجعل صلاتنا معرضة للبطلان، إن لم نتوجه فيها إليه ..

لماذا مكة؟.

* * *

ندور دورة واسعة- ثم نعود دوماً الى نفس النقطة، حيث تتلاقى البدايات والنهايات .. وتختلط علامة البدء بإشارة نهاية السباق ..

مكة تذكرنا ببداية السباق، ببداية تلك الحكاية كلها، عندما طردنا من الجنة وهبطنا الأرض بعضنا لبعض عدو ..

مكة تذكرنا برحلة التيه الطويلة التي تخبطنا فيها، وبذلك التجوال المر والترحال الذليل بحثاً في المكان الخطأ عن فردوس مفقود .. وتذكرنا مكة، برحلة أخرى، قام بها إبراهيم، وبدت كما لو أنها تتجه الإتجاه الخطأ- بعيداً عن مراكز الحضارة التقليدية، نحو عمق الصحراء الجرداء .. حيث لا زرع .. ولا ضرع ..

تذكرنا مكة ببيت عتيق يشبه بيت طفولتنا الأول، ذكراه مشوشة وغائمة في خيالنا، لكنه كان رحباً جداً إذ إتسع لأحلامنا ورؤانا وضحكاتنا وصخبنا ..

تذكرنا مكة، بحجر أساس، وضع في عمق أحشائنا، لا يزال الماء رطباً حوله .. ولا نزال نستطيع أن نتحسسه هناك بأيدينا .. لا يزال صامداً هناك – في كل فرد فينا… ننتظر أن نشمر سواعدنا، ونستكمل البناء المنتظر ..

تذكرنا مكة، بحجر أسود هو حجر الأساس، ويذكرنا الإتجاه إليها، إن بناءنا يكون أقوى وأمتن لو إستند على هذا الحجر .. تذكرنا مكة – بقواعد راسخة وعميقة، رفعها إبراهيم ومعه إسماعيل .. ويذكرنا الإتجاه إليها الى أن القواعد تحتاج الى المزيد من الرفع .. وأن عملية البناء يجب أن تتواصل بإستمرار ..

ندور دورة واسعة ونعود الى نقطة البداية، نستمد منها الأبجديات الأولى بعدما ضعنا طويلاً في الألفاظ والمصطلحات .. وبعدما تهنا طويلاً، وتخبطنا على غير هدى، ولم نعد نعرف إين أصبحنا بالضبط، نعود الى نقطة البداية- منه ننطلق من جديد، نستعيد هويتنا التي ضيعناها وحصلنا على عشر هويات مزورة بدلاً عنها. نستعيد ثوابتنا التي ميعناها وصهرناها وذوبناها وخلطناها مع ثوابت الغير وقيمهم وأسباب سقوطهم .. - ويكون الناتج هذا الهجين غير المتجانس الذي يشدنا الى الوراء ..

مكة، هي الرجوع الى ما لا مفر من الرجوع إليه .. والاتجاه إليه هو الإتجاه نحو كل تلك المعاني وكل تلك الدلالات ..

لا مكة في مكة. أعني أن خطوط الطول والعرض وخرائط الجغرافية ليست مهمة هنا.

المهم هو ذلك الإرث الإنساني الذي اختزنته مكة. والمهم هو تلك التجربة العميقة الجذور التي بذرت أول بذورها فيها ..

ليس المهم في الأمر هو الإتجاه الجسدي فحسب.

لكن المهم أن يصاحب ذلك الإتجاه الجسدي، توجه عقلي نحو ذلك الإرث ونحو تلك التجربة ..

المهم هو الوعي بمعنى "القبلة" .. بل بكل المعاني الخصبة المختزنة في داخلها ..

المهم هو أن يكون ولاؤنا – حقاً- لتلك القبلة ..

ربما يكون ذلك معنى "فلنولينك قبلة ترضاها".

*************************************

التقلب بحثاً عن حقيقة ليس أمراً نادراً في حياة البشر .. وتقلب إبراهيم بين "الآفلين"- يشبه قصة تنقل الكثير من المفكرين والفلاسفة والدعاة بين مختلف الأيدلوجيات بل ومتضاداتها .. الى حين الوصول الى قناعة أو يقين نهائيين ..

ولا يحدث ذلك لكبار المفكرين فحسب، لكنه يحدث أيضاً للبشر العاديين، أولئك الذين يتأرجحون تأرجحاً مراهقاً بين شك وإيمان .. وقد يثمر تأرجحهم هذا يقيناً يملئ عليهم حياتهم كلها فيما بعد ..

المهم أن تقلب إبراهيم في تلك الليلة، له ما يماثله في حياة البشر العاديين .. ، وبالتالي فإن تقلبه يمس وتراً ما في أعماقهم. هل يعتقد أحد أن ذلك حكرٌ على تقلب إبراهيم؟ ..

.. وإن "تقلب وجهه" عليه الصلاة والسلام لا يتكرر كل يوم .. بل كل لحظة في حياتنا المعاصرة؟

أبداً، تقلب وجهه عليه أفضل الصلاة والسلام، ليس مسألة حسمت وإنتهى أمرها- على الأقل بالنسبة لنا ..

الأمر لم ينته. لقد حسمت مرحلة منه فحسب، حسمها الجيل الأول مرحلياً.

لكن التقلب لا يزال مستمراً .. وجوهنا لا تزال تتقلب قبل المشرق، وقبل المغرب ..

حتى لا أقول قبل المشارق وقبل المغارب ..

… وإمكانية الحسم لا تزال قائمة ..

* * *

من كتاب " الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد"- أحمد خيري العمري- دار الفكر دمشق

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير