تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

العلماء مجتهدون لا مشرِّعون

ـ[أبو أنس الاسنوى]ــــــــ[16 - 10 - 10, 09:34 ص]ـ

6

العلماء مجتهدون لا مشرِّعون

الحمد لله، والصلاة على رسول الله، أما بعد؛

فإن العلماء ورثة الأنبياء، وكفى بهم شرفًا أن يكونوا واسطة بين الله وعباده في تبليغ شرعه وبيان دينه وحلاله وحرامه، ولذا فالعالم يصلِّي عليه مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض حتى النملة في جحرها، ولولا العلماء لصار الناسُ مثل البهائم.

ولقد ترك لنا علماء الإسلام الأجلاء تراثًا حافلاً من الاجتهادات والآراء في جميع نواحي الحياة مستمدة من الكتاب والسنة لا يُستغنى عنها، بل لا يُفهم الحق بعيدًا عنها وبدونها، وإن العلماء إذا أجمعوا على حكمٍ ما فهو حُجة على العباد؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ونقصد بالعلماء أولئك الذين حصَّلوا أدوات الاجتهاد؛ فهؤلاء الذي يحقُّ لهم القول في دين الله -تعالى-، ومع ذلك فالعلماء بشرٌ يُصيبون ويُخطئون.

فلا شك أن أقوال العلماء ليست هي الشريعة، وإن كان يوجد ارتباط بينهما، ولكنَّ هناك فرقًا كبيرًا؛ فالشريعة والدين هما: الوحي المنزل من رب العالمين على نبيه الأمين -صلى الله عليه وسلم-، سواء كان كتابًا أو سنة، قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، وهذا الوحي: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:42)، فليس فيه خطأ أو استدراك.

ولمَّا كان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يكتب كل شيء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهاه بعض الناس، وقالوا: "رسولُ الله بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا"، فقال رسول الله: (اكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنِّي إِلا حَقٌّ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

أما أقوال العلماء فهي اجتهاد منهم في فهم النصوص واستنباط الأحكام، وهذا الفهم وذاك الاستنباط قد يعتريه أحيانًا ما يعتري البشر من الإصابة أو الخطأ؛ لذا قالوا: "أقوال العلماء يُحتَجُّ لها لا يُحتَجُّ بها"، وإنما يكون قولهم حجة فيما اتفقوا وأجمعوا عليه، والعلماء الأكابر -رحمهم الله- هم الذين قرَّروا ذلك.

فهذا أبو حنيفة -رحمه الله- يقول:

"لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه"، وقال: "فإننا بشرٌ نقول القولَ اليوم ونرجع عنه غدًا"، وقال: "إذا قلتُ قولاً يخالف كتاب الله وخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- فاتركوا قولي".

والإمام مالك -رحمه الله- يقول:

1 - "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه".

2 - وقال: "ليس أحدٌ بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-".

والإمام الشافعي -رحمه الله- يقول:

1 - "ما مِنْ أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويعزب عنه فهمها، فمهما قلتُ من قول أو أصَّلتُ من أصل فيه عن رسول الله خلاف ما قلت؛ فالقول ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو قولي".

2 - وقال: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله، فقولوا بسنة رسول الله، ودعوا ما قلت".

والإمام أحمد -رحمه الله- يقول:

1 - "لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخُذ من حيث أخذوا".

2 - وقال: "رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحُجَّة في الآثار".

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-:

"فالواجب على كلِّ مَنْ بلغه أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعرفه أن يبينه للأمة، وينصح لهم، ويأمرهم باتباع أمره وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة؛ فإن أمر رسول الله أحق أن يعظَّم ويُقتَدي به مِنْ رأي أي معظَّم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ، ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة، وربما أغلظوا في الرد، لا بغضًا له؛ بل هو محبوبٌ عندهم معظَّم في نفوسهم، لكن رسول الله أحب إليهم، وأمره فوق أمر كل مخلوق، فإذا تعارض أمر رسول الله وأمر غيره فأمر الرسول أولى أن يُقدَّم ويتبع، ولا يمنع من ذلك تعظيم مَنْ خالف أمره وإن كان مغفورًا له، بل ذلك المخالف المغفور له لا يَكره أن يُخالَف أمرُه إذا ظهر

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير