تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وفي اختلاف اللفظين بحرف مقارب في المخرج سواء كان في الأول أو الوسط أو الآخر كقوله تعالى في سورة الأنعام: ? وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ? [الأنعام: 26]، ومن بلاغة القرآن العظيم التي يتردد صداها في جوانبه ما عُرِفَ بحسن النسق وهو أن يأتي المتكلم بكلمات متتاليات معطوفات متلاحمات تلاحماً سليماً مستحسناً، ولو أن كل جملة قائمة بنفسها، ومنه قوله تعالى في سورة هود: ? وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) ? [هود: 44].

ونلاحظ في كتاب الله العزيز أسلوب المشاكلة وهو ذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً، كقوله -عز وجل-: ? تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ? [المائدة: 116]، ومن سورة آل عمران قوله: ? وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ? [آل عمران: 54]، و? وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ? [الشورى: 40]، وقوله: ? فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ? [البقرة: 194]، وقوله: ? وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ ? [الجاثية: 34]، وقوله: ? فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ ? [التوبة: 79]، وقوله: ? إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (15) ? [البقرة: 114، 115].

ومن المماثلة في القرآن العظيم وهو تماثل الألفاظ كلها أو بعضها في الوزن دون التخفية كقوله تعالى: ? وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) ? [الطارق: 1: 4].

ومما يوفر للقرآن العظيم وقعه الذاتي أنه هو نفسه يوفر الانسجام بين ألفاظه وأصواته من طرق كثيرة منها:

• حذف ياء المنقوص المعرف كقوله: ? الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ? [الرعد: 9]. وفي قوله من سورة غافر قوله: ? يَوْمَ التَّنَادِ ? [غافر: 32].

• وحذف ياء الفعل غير المجذوم كقوله جل شأنه: ? وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) ? [الفجر: 4].

• وحذف ياء الإضافة كقوله: ? فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) ? [القمر: 16]، ? فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ? [الرعد: 32].

• ومن أسلوبه أيضاً: زيادة حرف المد كقوله: ? الظُّنُونَا ? [الأحزاب: 10]، ? الرَّسُولاَ ? [الأحزاب: 66]، ? السَّبِيلا ? [الأحزاب: 67] ..

• وصرف ما لا ينصرف في ? قَوَارِيرَ ? [الإنسان: 15] ..

• واختيار أغرب اللفظين نحو: ? قِسْمَةٌ ضِيزَى ? [النجم: 22]، ولم يقل: قسمة جائرة. وكذلك في قوله: ? لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ? [الهمزة: 4]، ولم يقل في جهنم، وفي سورة المدثر: ? سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) ? [المدثر: 26]، وفي المعارج: ? إِنَّهَا لَظَى ? [المعارج: 15]. وفي سورة القارعة ? فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) ? [القارعة: 9]]، وذلك مراعاة لفواصل كل سورة.

• وقد يكون العدول عن صيغة الماضي إلى صيغة الاستقبال كقوله تعالى: ? فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ? [البقرة: 87]، والأصل "قتلتم".

• وقد يطغى هذا الأسلوب لتغيير بنية الكلمة نحو ? وَطُورِ سِينِينَ (2) ? [التين: 2]، والأصل "سينا".

وقد كثر في القرآن العظيم ختم الفواصل بحروف المد واللين وإلحاق النون، يقول السيوطي: «وحكمته وجود التمكن من التطريب بذلك» كما قال سيبويه: «إنهم إذا ترنموا يلحقون الألف والياء والنون؛ لأنهم أرادوا مد الصوت ويتركون ذلك إلى لم يترنموا، وجاء القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع».

والوقع في عبارة القرآن يسير المعاني فهو بإطلاق في التقريع والإعذار والإنذار، والتحذير والتخويف، ذو ألفاظ شديدة قابضة مزعجة، فإذا بشر ووعد وحمد، فألفاظه بإطلاق أيضاً باسطة بهيجة مشوقة، وقد قيل أن هذا الأسلوب في الأصوات القرآنية يلعب في تكييف عقل السامع وتهيئته لتلقي الدعوة دوراً هو فوق التعريف، وإن الجمال الفني في القرآن العظيم هو الذي جذب العرب إلى الإسلام.

إن أسلوب القرآن العظيم من دلائل إعجازه إذ أنه غير ما يكتب البشر، وما يقدمونه من نثر فني قد يعمد إليه بعضهم.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير