تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فيضحي من أجله قليلاً أو كثيراً بدقة المعنى، والترتيل في القرآن العظيم إبراز الحروف ونطقها مع الفصاحة، وهو ما يساعد على السير في إبراز وقع النص القرآني، وهو غير تنغيم والترعيد الذي نهى جل العلماء عنه، والترتيل هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف، وقد كثر الاعتناء بالوقف وأماكنه في القراءة، عندما دخلت في الدين الجديد شعوب من الأعاجم.

وقد انتشر الاهتمام بتجويد الحروف ومعرفة الوقوف، وحث السلف عليه حتى إنهم ألزموا المستجيز أن يعرف الوقف والابتداء قبل أن يجاز في تلاوة القرآن العظيم، والقارئ المتقن يقف عند المقاطع، والجاهل يقف عند انقطاع نفسه، وقد يقف في موضع يضر الوقوف عنده، ويخل بالمعنى.

وقوقد حذر العلماء من الوقوف على المواضع التي لا يتم فيها الكلام والكثير من خط المصاحف وضع لفظ "لا" بالأحمر للتنبيه بعدم الوقوف، وقد يكون في الآية وقفان، وقد رمز بثلاث نقاط علامة لمنع الوقف بين الكلمتين وجواز الوقف على واحد منهما، كقوله تعالى: ? الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ? [البقرة: 3]، والوقف على ? غَيْرِ ? [الفاتحة: 7]، في الفاتحة.

والوقف والقطع والسكت يقصر بها النفس عند أكثر القراء، وتشدد القراء في الوقف ما لم يرد فيه قراءة معتمدة وأن يكون الوقف غير مخالف للإعراب. قال -صلى الله عليه وسلم-: (مثل الذي يقرأ القرآن حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران).

لما بلغ الدين ذروة الكمال، وبلَّغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده وربى أمة تقلدت مهام النبوة ومسئولياتها من غير نبوة وكلفت النهوض بالدعوة وصيانة الدين من التحريف، فقال تعالى: ? كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ? [آل عمران: 110].

وضمن الله لهذا القرآن العظيم الذي هو أساس الإيمان واليقين بالبقاء والنقاء فقال: ? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) ? [الحجر: 9].

وأقر الله عين نبيه بدخول الناس في هذا الدين أفواجاً، وبدت طلائع انتشاره في العالم وظهوره على الأديان كلها، فقال: ? إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) ? [النصر].

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن العظيم، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك العام: (إنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي).

لما كان كل ذلك أذن الله لنبيه باللقاء الذي لم يكن أحد أشد شوقاً له منه، وقد أحب الله لقاءه كما هو أحب لقاءه، ومرت الأيام والشهور والسنون والقرون، وكتاب الله -عز وجل- الذي دارسه إياه جبريل، وحفظه صحابته عن ظهر قلب من في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ودونوه وخطوه ونسخوه في الرقوق وعلى العظام، والحجارة النحاف، وسعف النخل، والأقتاب والورق، مع دوران الشمس ودورة القمر في مشرق الأرض ومغربها، يأخذ حلته القشيبة، ويجلوا في بهاء وجمال وروعة مع كلمات الخالق البارئ المصور، فمن التنسيق في خطوطه وسطوره إلى التحسين في البنية الجمالية في الورق والتجليد والتذهيب.

ونشطت في أحضانه فنون وولدت علوم وابتكرت أنماط في الخطوط لم تكن من قبل، وظهر مئات الخطاطين النابغين المبتكرين عبر هذا الزمن الطويل، فرسموا آلاف المصاحف بخطوطهم الجميلة تقرباً إلى الله يرجون عفوه ومغفرته، ولم يقنعهم حبر سناج ومداد الورد والرمان، فطيعوا الذهب وكتبوا به، وحلوا فواصله بالفضة، وجلدوه بالديباج والحرير والجلد، واستخدوا اللك لبقائه ودوامه أطول مدة ممكنة، وولدوا آلاف الأشكال التي اقتبسوها مما أرشدهم إليها قرآنهم العظيم من الأزهار والنبات وبات المصحف العظيم موشاً في حلة بهية، يدهش الرائي لمرآه ويخشع القلب لنصه ومعناه.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير