وبات كل مسلم في أقاصي الأرض يقرأ في سطوره ويتمتع بجمال الحرف العربي وإن كان أعجمي اللسان من الصين إلى الهند فآسيا وأوروبا وإفريقية، ودوى في السحر الحرف العربي تلهج به ألسنة المؤمنين بلكناتها من أسود وأبيض وأصفر.
وخلال هذه القرون الممتدة في الزمن البعيد القريب تبلورت الاتجاهات المختلفة لنوع الخط وطريقة الضبط في المصاحف وسارت في مذهبين:
الأول: ساد في المشرق ويمثله مصحف ابن البواب الذي كتبه سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة هجرية في مدينة السلام ببغداد، نموذجاً ممتازاً له، ويغلب عليه استعمال العلامات التي وضعها الخليل، واستعملها الكتاب وأهل اللغة.
والثاني: هو الاتجاه الذي امتاز باستعمال الخط المغربي، وأظهر ميلاً أكثر للإبقاء على العلامات القديمة، وقد ساد هذا الاتجاه في بلاد المغرب الإسلامي، ولا تزال آثار هذين الاتجاهين بادية ظاهرة على ما يطبع من مصاحف إلى اليوم.
مضت القرون والسنون، والمصحف ينسخ باليد كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً وكان لظهور الورق وصناعته على أيدي العرب المسلمين وتطويره وصقله وتقهيره أثر كبير على مسيرة فن المصحف وفن الكتاب العربي، وبظهور الورق ظهرت المطبعة سنة 1431 ميلادية في أوربا، وكان لظهورها الأثر في تقدم الثقافة والعلوم ونشرها في مختلف الطبقات، وكان لظهور المطبعة سبب في ظهور المصحف المطبوع الذي غدا متناولاً عند كل الشعوب.
كان ظهور المصحف المطبوع في أوروبا قبل ظهوره في أي بلد مسلم، نتيجة التطور الصناعي الذي حظيت به تلك البلاد، وظهر على أيدي المستشرقين، ويجمع كل من درس تاريخ المصحف المطبوع، على أن أول مصحف أخرجته المطابع ورأى النور كان في سنة 1106 هجرية تقريباً، والتي توازي سنة 1694 ميلادية والذي وقف على طبعه المستشرق "هينكل مان" في مدينة "هامبورج" بألمانيا.
وقد طبع ذلك المصحف بطريقة تنضيد الحروف، وليس تصورياً لمصحف مخطوط، ويقع في 560 صفحة، في كل صفحة ستة عشر سطراً مع مقدمة في ثمانين صفحة باللاتينية، وعلى رأس كل آية رقمها مع علامة تدل على انتهائها.
وفي دار الكتب المصرية نسخة منه، ولقد عانى هذا المصحف مما تعانيه التجربة الأولى في الطباعة، وخاصة إذا كانت على يد رجل ليس له إلمام ومعرفة بالقرآن العظيم.
في النسخة أخطاء فاحشة، لا تكاد تخلوا صفحة منه، سواء من حيث الرسم أو الضبط، كوضع كلمة مكان أخرى، ووصل ما لا ينبغي أن يوصل، إلى أخطاء تدل على جهل وسقم بالعربية وقواعدها، وقد جرى ضبط المصحف على طريقة الخليل وأهل المشرق، فالفتحة ألف مبطوحة فوق الحرف، والضمة واو صغرى فوق الحرف أيضاً، والكسرة مثل الفتحة تحت الحرف، والتنوين علامتان منها، والسكون دائرة مفرغة، والصلة رأس صاد، والشدة رأس شين، والهمزة رأس عين، والمدة بقية من كلمة مد، وقد جرى تنضيد حروفه على الإملاء الاصطلاحي، وتوالت طباعة المصاحف منذ ذلك التاريخ، ودخلت البلاد الإسلامية.
وأول طباعة إسلامية خالصة للقرآن العظيم ظهرت في "سان بيتر سبورج" بروسيا سنة 1787 قام بها مولاي عثمان، وظهرت المصاحف المطبوعة في دار الخلافة العثمانية ومصر والهند وغيرها من بلاد المسلمين ومن سواهم، ومنها مصحف طبع في قاذان سنة 1295 هجرية، والتي توافق سنة 1877 ميلادية، وهو مطبوع بالحروف مثل مصحف "هامبورج".
ورغم أنه لم يخلوا من الأخطاء إلا أن القائمين على طبعه قد حرصوا على الإشارة إلى مواطن الخطأ والصواب في خاتمة المصحف، وهو مضبوط على طريقة أهل المشرق تماماً، إلا في حالة الضمة والتنوين معها، فعلامة الضمة القصيرة فيه واو صغيرة مطموسة الرأس، والضمة الطويلة أكبر من القصيرة، وليس في المصحف أرقام للآيات.
لم تكن كل المصاحف المطبوعة تجري على طريقة تمضيد الحروف، بل الغالب هو تصوير مصحف مخطوط على الحجر أو بالزنك كالمصاحف التي طبعت في ألمانيا وفي "لايبزك".
وقد تمت طباعة مصحف للحافظ عثمان الشهير بقايد زاده كتبه سنة 1094 هجرية، ويعد هذا المصحف الذي طبع بطريقة التصوير من أجمل المصاحف إخراجاً وخطاً، وقد كتب بقلم النسخ، وكتبت رؤوس الآيات بخط التوقيع، وفي كل صفحة أحد عشر سطراً، ونهج في إملائه على طريقة ابن البواب، واستخدم طريقة المشارقة في الشكل.
¥