تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وجاءت (الفاء) في قوله: {فلن يقبل منه}؛ لتؤكد هذا المعنى الذي ذكرناه0 وبيان ذلك: أن الفاء، التي تقع في جواب الشرط، وفي خبر الذي، أو ما يقوم مقامه، تفيد أن ما بعدها محقق الوقوع، لا محالة؛ نحو قولك: إنْ زيدٌ أتاني فله درهم- الذي يأتيني فله درهم- إن الذي يأتيني فله درهم0 المعنى في ذلك كله: أن الدرهم مستحق لصاحبه عقب إتيانه0 ولهذا كان المتكلم ملزمًا بدفع الدرهم، وللمخاطب الحق في المطالبة به، إن لم يدفع له0 فإن نزعت الفاء من ذلك، كان المتكلم على خيار من أمره إن شاء دفع الدرهم، وإن شاء لم يدفع0

فإذا عرفت ذلك تبين لك الفرق بين هذه الآية، وبين قوله تعالى في آية أخرى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم} [آل عمران:90] 0 لم يقترن الخبر هنا بالفاء؛ لأن قبول التوبة من الذين كفروا ممكن، إن رجعوا عن كفرهم؛ لأتهم ما زالوا في الدنيا00 فتأمل هذه الفروق الدقيقة، والأسرار البديعة، في البيان الأعلى0

ولست أظن بعد هذا الذي ذكرته أن أحدًا ممن يعرف جوهر الكلام، ويدرك أسرار البيان، يمكن أن يسلم بما ذهب إليه النحاة والمفسرون من القول تارة بأن هذه الواو زائدة، وتارة أخرى بأنها عاطفة، أو حالية، وأن (لو) بعدها بمعنى (إن) الشرطية، وأنها (وصلية) 0 يريدون بذلك: أنها (زائدة) 0

وما بين (لو) و (إن) فرق في المعنى، لا بد من مراعاته، والوقوف عليه، ويتلخص في أن الأصل في (لو) أنها أداة تمن، ثم نقلت إلى الشرط؛ وذلك من باب تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد00 ومن خواصها فرض ما ليس بواقع واقعًا0 ولهذا تستعمل فيما لا يتوقع حدوثه، وفيما يمتنع حدوثه، أو فيما هو محال، أو من قبيل المحال0 أما (إن) فهي في الأصل موضوعة للشرط، ومن خواصها أن الفعل معها ممكن الوقوع، وغير ممكن0 ومن هنا لا يجوز القول بأن معنى {ولو افتدى به}: (وإن افتدى به)، كما ذهب إلى ذلك الجمهور؛ لأنه يقوم على حجة واهية، وهي زعمهم أن الفعل بعد (لو) لا يجوز أن يكون ما ضي اللفظ، مستقبل المعنى- كما في هذه الآية- خلافًا لـ (إن) الشرطية0 وقد ذكرنا في مقال سابق؛ وهو (سر دخول اللام على لو الشرطية) أن الشرط نوعان: وعديٌّ، وخبري0 وبيَّنا أن الشرط الوعدي ِّ لا يكون زمنه إلا مستقبلاً، خلافًا للخبري0 وذلك بغض النظر عن نوع الأداة الشرطية صيغة الفعل بعدها0 والشرط في الآية السابقة، ونحوها- كما هو واضح- شرط وعديٌّ، لا خبريٌّ00 فتأمل ذلك في القرآن الكريم، تجده على ما ذكرنا، إن شاء الله0 ثم تأمل بعد ذلك قول الشيخ السهيليِّ في هذه الواو الداخلة على (إن) الشرطية، وقارن بين التركيبين، ثم لاحظ الفرق بينهما0 قال- رحمه الله- في حديث (من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة، وإن زنى، وإن سرق):” ولو لم بكن في الكلام الواو، لكان الزنى شرطًا في دخول الجنة0 ولكن الواو حصَّنت المعنى“0

اللهم حصِّن قلوبنا من النفاق، ونفوسنا من الرياء، وعقولنا من سوء الفهم، وزدنا علمًا ودراية بكتابك الذي أنزلته على عبدك محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تجعل له عوجُا0 والحمد لله الوهاب المنان بفضله وإحسانه0

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) - ينظر في هذه المسألة كتاب (الجملة الشرطية) لمؤلفه أبي أوس إبراهيم الشمسان0

محمد إسماعيل عتوك

[email protected]

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير