تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ج – الإيحاء النابع من دقة التصوير الحركي: المفردة القرآنية قد تختار لتصوير الحركة بدقة كما في قوله تعالى: (فراغ إلى أهله) (الذاريات: 26) فراغ هنا أعطت للنص إيحاءاً وبعداً جديدين ذاك أنها فضلاً عن تصويرها ذهاب إبراهيم عليه السلام صدرت حركته بدقة ما بعدها نظير من غير أن يكون ذلك لمجرد مُتعةٍ أدبية في التصوير وإنما هي الدقة مقرونةً بالصدق الإخباري مع تحقيق ملحظٍ اجتماعي هنا، فراغ (ذهب إليهم في خفيةٍ من ضيوفه، ومن أدب المضيف أن يُخفي أمره وأن يبادره بالقِرى من غير أن يشعر به الضيف حذراً من أن يكفه ويعذره) (5)، وكذلك في قوله تعالى (والصبح إذا تنفس) (التكوير: 18) فاختيار لفظة (تنفس) للدقة في رسم المشهد الحركي هنا إذ إن خروج النور فجراً أشبه ما يكون بحركة النفس الذي ينساب بلا صوت متتابعاً فيكون بذلك (أشبه الأشياء بخروج النفس شيئاً فشيئاً) (1).

ومثل هذا (إنا صببنا الماء صباً) (عبس: 25) وقوله تعالى: (ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء) (الممتحنة: 2).

د – الإيحاء النابع من وصف خاص: فقد يصف القرآن الشيء وصفاً خاصاً ليدلل من خلال إيحاء هذا الوصف على دلالة تنصب في إغناء الدلالة العامة للسياق كما في قوله تعالى (وفاكهة وأبّا) (عبس: 31) فالأبّ هو (المرعى المتهيء للرعي والجز، من قولهم أبَّ لكذا أي: تهيأ) (2) في حين ذهب الزمخشري إلى أن الأبّ هو المرعى لأنه يؤَبُّ أي يؤمّ وينتجع (3) وقد يوصف الشيء وصفاً خاصاً لأجل بيان تفاهة هذا الشيء وخسته قال تعالى: (فكانوا كهشيم المحتظر) (القمر: 31) وفي قراءة (المحتظر) أي (كهشيم الاحتظار كقولك كآجر البناء وخشب النجارة، والاحتظار: أن يجعل حظيرة وإن شئت جعلت (المحتظر) هنا هو الشجر أي كهشيم الشجر المتخذة منها الحظيرة أي: كما يتهافت من الشجر المجعولة حظيرة والهشيم ما تهشم منه وانتشر) (4) وأي إهانة أكبر من أن يجعل جمعهم (كالهشيم المتخلف مما جمعه صاحب الحظيرة) (5) فهو الشجر اليابس المتهشم المتكسر … يبس لطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم) (6) ومن ذلك قوله تعالى (فشاربون شُرب الهيم) (الواقعة: 55) فلو أُريد تحديد معنى (الهيم) لخرجنا بأنها تعني (جمع الرجل العطش) يُقال: رجلٌ هيمان وهائم شديد العطش .. ويمكن أن تعني الرمال التي تبتلع الماء وهيام من الرمال اليابس كأن به عطش لذلك أستعير هذا الاسم للعاشق، كما أنها داءٌ يأخذ الإبل من العطش (7) فهذه اللفظة أوحت بظلال المرض وشدة العطش والتوله والهروب وابتلاع الماء … على هؤلاء.

ثانياً: اختيار المفردة للتسمية (لعلاقة دلالية خاصة):

أ – تسمية الشيء بوصفه جزءاً من معناه: ولعل من أوضح التسميات هي تسميات يوم القيامة والتي زخرت بها قصار السور إن لم أقل انفردت بها فقد سُميت القيامة في القرآن بعدة تسميات منها: الحاقة والصاخة والآزفة والقارعة والطامة والواقعة والراجفة والرادفة، وعند التأمل في هذه التسميات تجد أن كل تسمية إنما اختصت بجانبٍ من جوانب هذا اليوم صوره لفظها، فالواقعة تدلّ على حتمية ووجوب الوقوع فقد (وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة … ووقوع الأمر نزوله) (1) ليصفها سيد قطب (كأنّما هي ثقلٌ ضخمٌ ينقضُ من علٍ ثم يستقر لغير ما زحزحةٍ بعد ذلك ولا زوال) (2) والحاقة هي الواجبة الوقوع والتي تحقق فيها الأمر أو الوقت أو الساعة التي يحقّ فيها الجزاء فتغلب كل شيءٍ وتحقّ كل محاقٍ (3) وتسمية يوم القيامة بالآزفة كان (لآزوفها أي قربها) (4) و (أزف وأفِدَ يتقاربان – لكن أزِفَ يُقال اعتباراً بضيق وقتها) (5) وبهذا يتحقق وصف الشكل الخارجي ليوم القيامة كاملاً، فقد تمَّ عن طريق التسمية تأكيد الوقوع وسرعته وتحقق ذلك ولم يبق إلا وصف طبيعتها (القيامة) وأثرها لذلك سُمّيت بالقارعة وهي (التي تقرع الناس بالأفزاع والأهوال …) (6) وسُميت بالغاشية و (الغاشية داءٌ يأخذ في الجوف أو ورمٌ يكون في البطن … ومن هذا الهلاك تفسر الغاشية في استعمال القرآن … أي الجائحة المهلكة …) (7) و (الغاشية كل ما يغطي الشيء كغاشية السرج …) (وسميت بالطامّة الكبرى لأنها (تطمُّ على الدواهي أي تعلو وتغلب … وهي القيامة لطمومها على كل هائلةٍ) (9) فـ (طمّ

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير