تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[أحوال المفردة القرآنية (2)]

ـ[د. أبو عائشة]ــــــــ[22 Aug 2004, 06:16 م]ـ

ثانياً: التعريف والتنكير:

ولهذه الظاهرة اللغوية أهمية كبيرة في تنوع التعريف على وفق مقتضيات الكلام وتوظيف كل منهما لدواعٍ معينة تثري التركيب بدلالاتٍ متنوعة مما يُعدُّ أحد وسائل إثراء الدلالة (1)، ومرجع هذا التوظيف إلى حاجة السياق إذ للتعريف والتنكير دلالة عامة من حيث إرادة التعيين أو عدمه إلا أن لهما معانياً يخرجان إليها، وهذه المعاني لا تفاد منهما إلا من خلال سياقهما، فالسياق هو وحده المحدِّد لهذه المعاني التي تخرج إليها المعرفة والنكرة (2)، فقد تكون النكرة أحياناً دالة على التحقير وأحياناً دالة على التعظيم، أو تكون دالة على التقليل أحياناً وأحياناً على التكثير، أما أن تتحقق المعاني كلها في توظيفٍ واحد داخل سياق واحد فهذا هو الإعجاز بحد ذاته قال تعالى: (ألم يَكُ نطفةً من منيٍّ يمنى) (القيامة: 37) وقال تعالى: (من أي شيءٍ خلقه من نطفةٍ خلقه فقدره) (عبس: 19) وقال تعالى: (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة) (الكهف: 37) … يقول أحمد بدوي: إنّ التنكير في هذه الآيات يوحي بالتحقير إلى النفس (3)، وهذا ما رفضه الشيخ ابن عاشور بقوله: (ولا التفات في ذكرها إلى معنى التحقير أو المهانة لأن المقام للاستدلال على أمرٍ عظيم لا لإهانة المتكبرين) (4) وقد رفض الدكتور نحلة رأي الشيخ ابن عاشور وعَدَّ المقام مقام تعجب من كفران الإنسان نعمة خالقه … مع أنه أنشأه من نطفةٍ أي من شيءٍ صغير حقير لا يعزى … (5)، فنحن هنا أمام قراءات مختلفة لنصٍ واحدٍ، غير أن ما يبدو هنا للوهلة الأولى تعارضاً لا يشكل عند الشعراوي إلا أسلوباً مقصوداً لأن عظمة الصنعة كما يذكر تأتي من أمرين .. إما من أمرٍ لطيف جداً يدقّ عن الإدراك أو أمرٍ كبيرٍجداً لا يحيط به الإدراك وهذان الأمران موجودان لذلك عندما يقال بأن النكرة ضد المعرفة، والمعرفة تحدد المعنى، والنكرة تعطي شيوعاً، يقال إن الشيء قد ينكر للتعظيم وقد ينكر للتحقير وكأن النكرة تسمح أن تكون مرّة للتعظيم ومرّة للتحقير ومرّة للتقليل ومرّة للتكثير (6)، وهذه هي أهم سمة أسلوبية في التعبير القرآني إذ تكون نصوصه قابلة لأكثر من قراءةٍ مقصوداً إليها جميعاً لتحقيق اتساعٍ دلالي حيناً أو مراعاةٍ لاختلافاتٍ فكريةٍ بين العصور فليس الإعجاز الكامل في أن تخاطب العالم بما يعجزه ويبهره بل في أن تخاطبه بكلامٍ يفهمه ذلك دون تجاوزٍ لفهم الإنسان العادي، وليس في جمع المعنيين (التحقير والتعظيم أو التقليل والتكثير) في مفردة واحدة للتنكير كما في الآيات السابقة شيء جديد فقد كان الزمخشري يشير إليه كما في كلامه عن تنكير لفظة (نفس) (7) حيث قال: (يجوز أن يكون المراد بها بعض الأنفس ... أو أن يراد التكثير) (8).

وقد يؤتى باللفظة منكرة كما في قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) (الجمعة: 2)، وقوله تعالى: (إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم) (المزمل: 15) فتنكير المسند إليه هنا كان لغايةٍ بلاغية نفسية ذلك أن احتمال تحقق الحكم، كما يقول السكاكي، يزداد بُعداً كلما ازداد تخصصاً ويزداد قُرباً كلما ازداد عموماً (9)، فالمسند إليه كلما كان عامّاً مطلقاً غير مقيد كان احتمال ثبوت الحكم له في الخارج وفي نفس المتلقي أقرب، وإذا كان استعداد المتلقي لتقبل الحكم في هذه الظاهرة الأسلوبية البلاغية حسناً فأن الحاجة إلى تعريف المسند إليه تقل حينما يُراد توكيد الحكم وتقريره في نفس المتلقي، وسيكون احتمال تحقق الحكم وثبوته بعيداً إذا كان المسند إليه معرفةً أو نكرةً مخصصة وتقبل المتلقي له وتصديقه به يكون أقل احتمالاً. وذلك لأننا لو قلنا (سافر رجلٌ) فإن احتمال ثبوت السفر لرجلٍ من الرجال لا على التعيين سيكون قريباً ولن يجد المتلقي صعوبةً في تقبله والتصديق به، وسيكون العكس لو قلنا (سافر الرجل) فأن احتمال ثبوت السفر بحق هذا الرجل المعين بالذات من بين باقي أفراد الجنس وإن كان ممكناً إلا أن تقبل النفس له وتصديقها به، مما يحتاج إلى إثبات وتوكيد (10) فمراعاة القرآن للمخاطبين كانت السبب في عدم ذكر اسم الرسول) صلى الله عليه وسلم) صريحاً في هذه السور بل لم

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير