تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[أحوال المفردة القرآنية (1):]

ـ[د. أبو عائشة]ــــــــ[19 Aug 2004, 01:59 ص]ـ

أولاً: البناء للمعلوم والمجهول:

كان أسلوب البناء للمجهول من الظواهر البارزة في القرآن الكريم ويعد بحق واحداً من أهم الأساليب التي استخدمت في التعبير القرآني لا من حيث الكثرة التي برزت خاصةً في السور القصيرة التي تعلقت بالحديث عن يوم القيامة، وإنما للفنية الرائعة التي استخدم بها هذا الأسلوب فإنا لو عرضنا النص القرآني على الأغراض التي ذكر البلاغيون والنحاة أن من أجلها يُستغنى عن الفاعل ويبنى للمجهول، وهي إما للعلم به أو الجهل به أو الخوف منه نجده يرفض كما يقول أحد الباحثين - أن يكون حذف الفاعل (سبحانه) من أجل واحدٍ منها، وإنما هو كما ذهبت إليه بنت الشاطئ بحق: (من أجل تركيز الاهتمام على الحدث بصرف النظر عن محدثه) (1)، يقول الطاهر بن عاشور في حديثه عن قوله تعالى: ((يومَ يُنْفَخُ في الصورِ)) (النبأ: 18): (وبُنِيَ ينفخ إلى المجهول لعدم تعلق الغرض بمعرفة النافخ، وإنما الغرض معرفة هذا الحادث العظيم ... ) (2)، وعُلِّل مثل هذا الأسلوب بـ (عدم تعلق الغرض بمعرفة الفاعل) (3)، وهو ما أفاد منه وأشار إليه محمود نحلة (4)، ومن هذا قوله تعالى: ((يومَ ينفخ في الصورٍ … وفتحت السماء … وسيرت الجبال)) (النبأ: 18 – 20)، و ((إذا الشمس كورت … وإذا الجبال سيرت … وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حُشرت وإذا البحار سُجَرت …)) (التكوير: 1 ـ 6) والعمدة في مثل هذا الأسلوب وفي مثل هذا الاستخدام على كلام بنت الشاطيء التي قالت إن استعمال الأفعال المبنية للمجهول يطرد في وصف اليوم الآخربحيث يمكن أن يُعدَّ ظاهرةً أسلوبيةً في هذا المقام، وتضيف: (ولا أعرف أنّ أحداً من اللغويين أو المفسرين ألتفت إلى اطراد هذه الظاهرة الأسلوبية، وإنما عني أكثرهم بالصناعة النحوية في ذاتها وقالوا في (زُلزلت) حُذِفَ الفاعل للعلم به غير ناظرين إلى ما لهذه الظاهرة من أثرٍ في التعبير والذي نراهُ أنّ استعمال الفعل مبنياً للمجهول في مثل هذه الآيات فيه نصّ على الطواعية والانبعاث التلقائي وكأنما تزلزل الأرض وترج الجبال ... تلقائياً دون حاجةٍ إلى فاعل ... ) (5) وقد أشار كثيرُ من القدماء إلى البناء للمجهول لغرض صرف التركيز إلى المفعول به وتوجيه الانتباه إليه، وهذا ما أشار إليه الإسكافي حين فرّق بين قوله تعالى: ((وَ يطاف عليهم بآنيةٍ من فضةٍ)) (الإنسان: 15)، وقوله تعالى: ((ويطوف عليهم ولدانُ مخلدون)) (الإنسان: 19) فذكر بأنّ (القصد) في الأولى كان متوجهاً إلى وصف ما يطاف به دون وصف الطائفين فلما كان المعتمد بالإفادة ذاك، بُني الفعل (مقصوداً) به ذكر المفعول لا الفاعل فقال تعالى واصفاً هذه الآنية ((بآنية من فضةٍ وأكوابٍ كانت قواريرا قوارير من فضةٍ)) (الإنسان: 15 - 16) ولهذا لم يُسمِ فاعله (ويطاف) ولأنه جاء بعد قوله تعالى: ((وذللت قطوفها تذليلاً)) (الإنسان: 14) (6) وفي الآية الثانية قُصد إلى وصف الفاعلين الذين يطوفون بهذه الآنية فوجب ذكرهم لتعلق الصفة بهم (7)، ولعل أفضل من أوضح هذا كان ابن جني الذي ذكر أن أصل وضع المفعول أن يكون فضلة وبعد الفاعل فإذا عنى المتحدث ذكره قدّمه على الفاعل، فإذا ازدادت عنايتهم به قدموه على الفعل الناصب له فإن تظاهرت العناية به عقدوه على أنه رب الجملة وتجاوزوا به حدَّ كونه فضلة ... ثم زادوا على هذه الرتبة .. فحذفوا ضميره ونووه ولم ينصبوه على ظاهر أمره رغبةً به عن صورة الفضلة ولم يرضوا له هذا حتى صاغوا الفعل له وبنوه على أنه مخصوصٌ به وألفوا ذكر الفاعل مظهراً أو مضمراً واطرح ذكر الفاعل وهذا يدلَ على شدة عنايتهم بالفضلة وكذلك قولهم: ضُرِبَ زيد إنما الغرض منه أن يعلم أنه منضربٌ وليس الغرض أن يُعلم من الذي ضربه (8) ونفى في موضعٍ آخر أن يكون البناء للمجهول ملزماً للجهل بالفاعل مستدلاً بقوله تعالى: ((وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفاً)) (النساء: 38) و ((خُلِقَ الإنسانُ من عجل)) (الأنبياء: 37) وهذا مع قوله تعالى: ((ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه .. )) (ق: 16) وقوله سبحانه: ((خَلَقَ الإنسان من عَلق)) (العلق: 2) فالغرض الإخبار عن وقوع الفعل به

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير