تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

إن واقعا كهذا قد نتج عنه كثافة على المستوى التطبيقي في التفسير، لم ترافقها في نفس المستوى إنتاجات نظرية تضبط التفسير وتؤصل له. وبالعودة إلى المعاجم التي أحصت مجمل الدراسات القرآنية المطبوعة منها والمخطوطة يتأكد هذا الذي قيل،فمعجم مصنفات القرآن الكريم لإسحاق شواخ،أو معجم الدراسات القرآنية لابتسام مرهون الصفار خير شاهد على ذلك.

من أجل ذلك ينطلق هذا البحث من فرضية مفادها أن أصول التفسير علم مستقل بكل ما تعنيه كلمة علم من معان وأبعاد.

كما ينطلق البحث من فرضية أخرى مفادها أن هذا العلم إن لم نقل أنه لم يقم بعد، فهو بدون أدنى تردد لا يزال في حاجة ماسة إلى جهود كثيرة لإبراز مباحثه والتعريف به وبلورته، وإخراجه في صورة علمية مرضية تليق بشرف مادته التي هي القرآن.

فالمحاولات التي كتبت في هذا الباب يوجد بينها تضارب في الاصطلاح والمضمون وهو ما سنفصله لاحقا.

ومن الغريب فعلا أن يوجد من يقول إن التفسير في حد ذاته ليس علما ويرتب على ذلك أن لا حاجة لوضع تعريف له وهو ما يشير إليه الذهبي حين يقول:" يرى بعض العلماء أن التفسير ليس من قبيل العلوم التي يتكلف لها الحد؛ لأنه ليس قواعد أو ملكات ناشئة من مزاولة القواعد كغيره من العلوم التي أمكن أن تشبه العلوم العقلية …" وهنا يظهر أثر غياب علم أصول التفسير. لأنه برر عدم الحاجة إلى وضع حد بأنه " ليس له قواعد أو ملكات ناشئة عن مزاولة القواعد". وبغض النظر عن حدود كلمة " قواعد "، ففي النص إشارة واضحة أنه بسبب غياب هذه القواعد لا يرقى التفسير إلى مقام العلم.

والفراغ الذي نتحدث عنه تشهد له نصوص عديدة: فإلى حدود القرن الثامن الهجري يطالعنا نص لسليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري البغدادي المتوفى سنة 716هـ يقول فيه: " إنه لم يزل يتلجلج في صدري إشكال علم التفسير وما أطبق عليه أصحاب التفاسير، ولم أجد أحدا منهم كشفه في ما ألفه ولا نحاه في ما نحاه، فتقاضتني النفس الطالبة للتحقيق الناكبة عن جمر الطريق لوضع قانون يعول عليه ويصار في هذا الفن إليه "

وقبل أن نتجاوز القرن الثامن الهجري نقف مع نص آخر لابن تيمية وهو يتحدث عن الباعث له على تأليف المقدمة المعروفة بين الناس ب ‘ مقدمة في أصول التفسير’ يقول فيه:"أما بعد فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه والتمييز في منقول ذلك و معقوله بين الحق وأنواع الأباطيل والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل"

أما النص الأول فصريح في سبق المؤلف إلى الكتابة في الموضوع حين يقول:" ولم أجد أحدا منهم كشفه في ما ألفه ولا نحاه في ما نحاه ".

أما النص الثاني فيدل بكيفية غير مباشرة على الحاجة التي دعت إلى طلب "مقدمة تتضمن قواعد كلية تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره".

وهو أشبه ما يكون برسالة الإمام الشافعي حين كتب إليه عبد الرحمن بن مهدي:" أن يضع له كتابا في معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة. فوضع له كتاب الرسالة".وإذا كانت رسالة الشافعي من آصل ما كتب في أصول الفقه فإن رسالة ابن تيمية يعدها العلماء من آصل ما كتب في أصول التفسير.

وهكذا،فمن خلال النصين يتبين إذن أنه إلى حدود القرن الثامن الهجري لم يحظ علم أصول التفسير بالعناية اللائقة به. أما الطوفي فمع وعيه بالموضوع إلا أن الحجم الذي تناوله به أقل من القليل إذ لم يتجاوز صدر كتابه الإكسير قال:" إنه لم يزل يتلجلج في صدري إشكال علم التفسير وما أطبق عليه أصحاب التفاسير، ولم أجد أحدا منهم كشفه في ما ألفه ولا نحاه في ما نحاه، فتقاضتني النفس الطالبة للتحقيق الناكبة عن جمر الطريق لوضع قانون يعول عليه ويصار في هذا الفن إليه فجعلت له صدر هذا الكتاب " والذي يقع في أقل من ثلاثين صفحة. أما باقي الكتاب فهو في البلاغة.وهذا ما جعل محققه يقول عنه:" وكل ما أرجوه أن أكون قد أسهمت بتقديم هذا الكتاب القيم المجهول إلى أيدي القراء والدارسين في إثراء المكتبة البلاغية،و إضافة علم جديد إلى أعلام البلاغة وهم قلة."

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير