تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ووحدة السورة أو سياقها العام هو الذي يطلع القارئ على مضمون السورة كلها، ولو تدبر القارئ وتفحص وتبصر في سورة واحدة لرأى قرآنا عجباً ذلك بما سيتجلى له من ترابط السورة وقوة بنائها وانتظامها في خيط واحد، وكيف لايكون ذلك وهو كلام رب العالمين الذي أتقن كل شيء.

قال البقاعي: "إن معرفة مناسبات الآيات في جميع القرآن، مترتبة على معرفة الغرض أو الأغراض التي سيقت لها السورة" ([7]).

وحين نرى العناية بهذا العلم العظيم نرى أن كثيراً من المفسرين أغفلوه ولم يلقوا له بالاً مع أنه من أعظم مايعين على فهم كتاب الله تعالى.

وممن عَنى بهذا المجال شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم اللذان أبدعا في تفسير كتاب الله تعالى واستخراج دقائقه.

فنرى مثلاً شيخ الإسلام يبرز وحدة سورة البقرة ويحدد سياقها وغرضها العام فيقول: "وقد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه سورة البقرة من تقرير أصول العلم و قواعد الدين" ([8]).

ويبين سياق سورة الأحزاب وغرضها العام، فيرى أنها تتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم في نصرة الله له وهزيمة الأحزاب الذين تحزبوا عليه، وذكر خصائصه وحقوقه؛ ولهذا افتتحت بندائه بقوله تعالى: {ياأيها النبي} ([9]).

ونرى أيضاً ابن القيم الذي كان بارعاً في استخراج دقائق القرآن وأسراره، يبين سياق سورة التحريم وأنها في بيان مقام النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وتحذيرهن من التظاهر عليه ولهذا افتتحت بندائها بقوله تعالى: +يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قال: "في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة، فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي × والتحذير من تظاهرهن عليه، وأنهن إن لم يطعن الله ورسوله ويردن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالهن برسول الله × كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالها بهما" ([10]).

ومن أشهر من تناول هذا العلم من السياق وبرع فيه محمد دراز صاحب كتاب (النبأ العظيم)، وصاحب الظلال سيد قطب، فهما ممن حملا رايته، وأبدعا فيه.

أما محمد دراز فقد أبدع في دراسته لسورة البقرة واستكشف غرضها. ويقول في مقدمته: "إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثاً من المعاني حُشيت حشواً، وأوزاعاً من المباني جمعت عفواً، فإذا هي لو تدبرت بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول، فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بناء واحد قد وضع رسمه مرة واحدة .. ولماذا نقول إن هذه المعاني تتسق في السورة كما تنتسق الحجرات في البنيان؟ لا بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان .. ومن وراء ذلك كله يسري في جملة السورة اتجاه معين، وتؤدي بمجموعها غرضاً خاصاً، كما يأخذ الجسم قواماً واحداً، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد، مع اختلاف وظائفه العضوية" ([11]).

أما سيد قطب فقد سلك هذا المسلك في تفسيره الظلال، وجعل من منهجه أن يقدم بين يدي كل سورة بوحدتها الموضوعية وسياقها العام. ولعلنا نعرض لمثال واحد من ذلك، يقول في أول كلامه عن سورة البقرة: "يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية متميزة، شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس، ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص .. وهذا طابع عام في سور القرآن جميعاً، ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة" ([12]).

ويدخل في سياق السورة الاستدلال بما غلب وروده في السورة كلها. ومن أمثلة ذلك:

ماذكره ابن جرير في ترجيح ماورد من القراءات في قوله تعالى: +سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ" [الصافات 130]، ووردت قراءة بلفظ +آل ياسين" ([13]) فرجح الأولى بدلالة سياق السورة فقال: "والصواب من القراءة في ذلك عندنا: قراءة من قرأ +سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ" بكسر ألفها، على مثال إدراسين؛ لأن الله تعالى ذكره إنما أخبر عند كل موضع ذكر فيه نبياً من أنبيائه - صلوات الله عليهم - في هذه السورة بأن عليه سلاماً لا على آله، فكذلك السلام في هذا الموضع، ينبغي أن يكون على إلياس، كسلامه على غيره من أنبيائه، لا على آله" ([14]).

ثالثاَ: سياق النص أو القصة

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير