تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ظننا تطبيق لأساس منهجي أصيل نص عليه أهل السنة عندما وضعوا منهجهم ونظريتهم لتفسير القرآن الكريم، وهو الذي اصطلحوا عليه "بمطابقة المفسر" ومعناه كما أثبته الإمام السيوطي (849هـ / 911هـ) في كتابه "الإتقان": «أن يتحرز في ذلك من نقص عما يحتاج إليه إيضاح المعنى أو زيادة لا تليق بالغرض، ومن كون المفسر فيه زيغ عن المعنى، وعدول عن طريقه، وعليه بمراعاة المعنى الحقيقي، ومراعاة التأليف والغرض الذي سبق الكلام، وأن يؤاخى بين المفردات.» (1).

8 - والمقطع: ينقسم إلى بنيات، وهذه البنيات هي عبارة عن جملة آيات تعالج قضية واحدة، أو تعرض مشهدا واحدا متكاملا، وهي ذاتها يقدم لها بمقدمة صغيرة يذكر فيها بمحتوى البنية السابقة كنوع من الربط بين بنيات المقطع. ثم بورد موجز ما تضمنته البنية من أفكار وموضوعات، وقد يعالج خصيصة من خصائص الأسلوب القرآني تكون بارزة في الآيات الكريمة المشكلة للبنية التي ينصب عليها التفسير. وبهذه الطريقة تبدو البنية وكأنها وحدة مستقلة، وهي كذلك كما لا يمكن للسياق أن يستغني عنها، ولكنها مع ذلك لا تكتسب قيمتها الدلالية إلا بارتباطها بباقي البنيات المكونة للمقطع. ومن ثم فإن البنية ضرورية للسياق، وهي أيضا محتاجة إليه لأنها تأتي ملتحمة به التحاما وثيقا لا فكاك لها عنه. وقد كان سيد قطب يعي ذلك، ويعبر عنه في بعض الأحيان، من ذلك ما قاله عند تفسيره لقوله تعالى:

(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة:196).

«وأول ما يلاحظ في بناء الآية هو تلك الدقة التعبيرية في معرض التشريع، وتقسيم الفقرات في الآية لتستقل ببيان الحكم الذي تستهدفه، ومجيء الاستدراكات على كل حكم قبل الانتقال إلى الحكم التالي، ثم ربط هذا كله في النهاية بالتقوى ومخافة الله» (1).

ونستخلص من هذا النص أن سيد قطب كان على وعي تام بأن الآية تشكل وحدة متكاملة وهي تنقسم إلى فقرات وهي التي اصطلحنا على تسميتها بعناصر البنية، وهي حاملة لأساس المعنى. فمضمونها يكون عبارة عن فكرة واحدة، أو حكم واحد، أو لقطة واحدة من مشهد، وهذا يعني أن السورة القرآنية الكريمة تشكل وحدة متكاملة وهي ما أسميناه بالوحدة النسقية تمييزا لها عن الوحدة الموضوعية أو العضوية التي لا تنطبق على القرآن الكريم، لأنها تجعله مشابها لكلام البشر. والمقاطع أيضا تشكل وحدة ترتبط في ما بينها مكونة السورة القرآنية.

9 - العناصر: وهي أصغر وحدة تفسيرية، ويتكون كل عنصر من آية صغيرة أو جزء من آية، ويكون متضمنا أساس معنى النص القرآني، وهو يشكل في العادة فكرة، أو موعظة، أو حكما فقهيا، إن كان يتعلق بمقطع أو قطاع أو درس - على اختلاف اصطلاحات سيد قطب. بينما تشكل لقطة أو صورة إن كان الأمر يتعلق بمشهد من مشاهد القرآن الكريم، وهذه العناصر في مجموعها تكون بنية، ومجموع البنيات تكون مقطعا، ومجموع المقاطع تكون سورة، ومجموع السور تشكل القرآن الكريم، فالسور تتناول موضوعات متعددة ومتنوعة، ولكنها متلاحمة ومتناسقة بحيث تشكل وحدة شاملة، والرابط «بينها جميعا هو هذا الهدف الأصيل الذي جاء القرآن كله لتحقيقه، إنشاء أمة، وإقامة دولة، وتنظيم مجتمع على أساس من عقيدة خاصة، وتصور معين، وبناء جديد، الأصل فيه إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية، والقوامة والسلطان، وتلقي منهج الحياة، وشريعتها، ونظامها، وموازينها، وقيمها منه وحده بلا شريك» (1).

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير