تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[الجمال في القرآن بحث للدكتور مصطفى الحيا]

ـ[فهد الوهبي]ــــــــ[23 Feb 2008, 05:23 ص]ـ

الجمال في القرآن [1/ 5] (*)

د. مصطفى الحيا 14/ 8/1428

27/ 08/2007

إن أول ما يستوقف الباحث الذي يريد أن يؤصل الجمال في التصور الإسلامي من القرآن الكريم هو قوله تعالى: "وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ" [النحل:6]. لذا لابد من وقفة مع هذه الآية.

فقد وردت الإشارة إلى الجمال صريحة في القرآن ثماني مرات. واحدة منها بصيغة المصدر "جمال" والسبع الباقية بصيغة الصفة "جميل".

فبالنسبة لصيغة المصدر "جمال" التي وردت في الآية المتقدمة من سورة النحل يلاحظ أن ذكر الجمال فيها جاء مقصوداً لذاته مستقلاً بجانب الفوائد المادية الأربع المذكورة في السياق.

قال تعالى: "وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ" [النحل:5 - 7].

فقد ذكرت الآيات أربع فوائد مادية للأنعام هي:

1 - الدفء ويقصد به الملابس والأكسية والأغطية وغيرها.

2 - المنافع ويقصد بها النسل والألبان والجلود وغيرها.

3 - الأكل ويقصد به اللحوم والشحوم.

4 - حمل الأثقال إلى البلدان البعيدة.

ويأتي الجمال بين هذه الفوائد مستقلاً قائماً بذاته، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أمرين:

الأول: هو أن الجمال أصل في هذا الكون.

والثاني: هو أن الجمال في التصور الإسلامي مرتبط بالمنفعة ارتباطاً وثيقاً. فالنافع والجميل لا يكاد ينفصل الواحد منها عن الآخر في هذا التصور. ولذلك ورد ذكر الجمال بعد الدفء والمنافع والأكل وقبل حمل الأثقال إلى البلدان البعيدة. فذكر وسط الفوائد المادية كأنه واحد منها وفي هذا إشارة إلى أن الجانب الجمالي لا يقل أهمية عن الجوانب النفعية المادية.

وقد وقف المفسرون والبلاغيون على جمال الأنعام في هذه الآية، فاسترعى انتباههم تقديم الإراحة فيها على السرح مع العلم أن المألوف هو أن تغدو الأنعام إلى السرح أول النهار ثم تروح إلى الحظائر آخره، فعللوا كلهم هذا التقديم بكون جمال الأنعام يكون في أوج كماله وتمامه عند الرواح إلى الحظائر وليس عند الغدو إلى السرح.

رأي القرطبي:

يقول القرطبي: "ومن جمالها كثرتها وقول الناس إذا رأوها هذه نَعَمُ فلان. قاله السدي. ولأنها إذا راحت توفر حُسْنُها وعَظُمَ شأنها وتعلقت القلوب بها، لأنه إذا ذاك أعظم ما تكون أسنمة وضروعا. قاله قتادة. ولهذا المعنى قدم الرواح على السراح لتكامل درها وسرور النفس بها" (الجامع لأحكام القرآن: القرطبي: 10 - 71).

رأي الزمخشري:

ويتساءل الزمخشري بطريقته المألوفة نيابة عن القارئ أو المتلقي فيقول: "فإن قلت قدمت الإراحة على التسريح؟ قلت: لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها. (نكت الأعراب في غريب الإعراب: الزمخشري: 240).

رأي فخر الدين الرازي:

أما الفخر الرازي فعلى غير عادته نجده أنه لم يستوقفه هذا التقديم والتأخير رغم أنه صاحب الفكرة القائلة بأن إعجاز القرآن يتلخص في الترتيبات والروابط. لقد مر على هذه الآية دون إبداء آية ملاحظة تبين أنه انتبه إلى خصوصية الترتيب فيها فقال: "واعلم أن وجه التجمل بها أن الراعي إذا روحها بالعشي وسرحها بالغداة تزينت عند تلك الإراحة والتسريح في الأفنية، وتجاوب فيها الثُغاء والرُّغاء وفرحت أربابها وعَظُمَ وَقْعُهُم عند الناس بسبب كونهم مالكين لها" (مفاتيح الغيب: الفخر الرازي 19 - 182).

رأي برهان الدين البقاعي:

ويضيف البقاعي عنصراً جديداً يُعَلِّلُ به تمام الجمال في حال الرواح وهو أن القدوم أجل وأبهج من النزوح فيقول: "ولما كان القدوم أجل نعمة وأبهج من النزوح قدمه فقال: "حين تريحون" بالعشي من المراعي وهي عظيمة الضروع طويلة الأسنمة "وحين تسرحون" بالغداة من المُراح إلى المراعي، فيكون لها في هاتين الحالتين من الحركات منها ومن رعاتها ومن الحلب والتردد لأجله وتجاوب الثغاء والرغاء أمر عظيم وأنْسٌ لأهلها كبير" (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: البقاعي 11 - 108 - 109).

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير