تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[تفسير القرآن بالقرآن: دراسة في المفهوم والمنهج (أ. سعاد كوريم)]

ـ[محمد بن جماعة]ــــــــ[14 Jan 2008, 06:56 م]ـ

تفسير القرآن بالقرآن: دراسة في المفهوم والمنهج

أ. سعاد كوريم

المصدر: مجلة إسلامية المعرفة (العدد 49) ( http://www.eiiit.org/eiiit/eiiit_article_read.asp?articleID=874&catID=256&adad=313)

يتضمن كل عمل تفسيري لنص ما، اقتراحاً لمعادلة تفسيرية، أحد طرفيها هو النص المفسَّر، وطرفها الثاني هو المقولة المفسِّرة. وتتسع هوة المفارقة بين الطرفين أو تضيق، تبعاً لمقصدية النص، وكفاءة المتلقي، وكفاية المنهج، ومدى التقارب بين النص وتفسيره. ولا يخرج تفسير القرآن الكريم عن هذا الإطار، من حيث إن هاجسه الأساس، هو إدراكُ قصد الله من كلامه وإيصالهُ إلى المخاطبين به. فإذا علمنا أن أحد طرفي المعادلة في تفسير القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، تبين لنا مدى الحرج المعرفي الذي يقع فيه المفسر؛ إذ ما من مقولة تفسيرية، ترتقي إلى درجة التقارب مع النص القرآني، والوفاء بأداء معناه، إلا إذا كانت من نفس جنسه ومادته. ولعل المدخل الأقدر في هذه الحالة على إيجاد معادلة متكافئة الأطراف، هو تفسير القرآن بالقرآن، نظراً لما قد يكفله من وحدة في النسق، وانسجام في الدلالة، ناتجين عن انتماء كل من المفسِّر والمفسَّر إلى نظم واحد، مشَكل من لغة واحدة، وصادر عن متكلم واحد. ويستلزم التحقق من هذا الافتراض القيام بدراسة لمفهوم تفسير القرآن بالقرآن ومنهجه، تهدف إلى تكوين تصور دقيق عن مصاديقه وأدواته، على نحو يمكِّن من اختبار كفايته، والحكم على طبيعته ووظيفته؛ إذ من شأن التصور الذي تكفله تلك الدراسة، أن يكشف عن حدود قدرة تفسير القرآن بالقرآن على تقليص هامش التأويل، وتقليل فوارق المعنى بين النص وتفسيره، وتأمين طريق الفهم عن الله تعالى، وإدراك قصده من كلامه. ولا يخفى ما لذلك من أهمية بالنسبة للخطاب الشرعي فِقهاً وامتثالا وحفظا، فلابد من فِقه معهود المتكلم في استعمال عناصر الخطاب، وضمان امتثاله من قبل المكلفين به؛ لأن صحة العمل بالقول تبعٌ لصحة العلم به، ولابد أيضا من حفظه من التحريف الدلالي، الذي يفضي إلى ضياع المعنى الأول المقصود في أصل النظم.

وتزداد الحاجة إلى تناول هذا الموضوع إلحاحاً؛ نظراً لافتقار الدراسات القرآنية إلى أدبيات تُفرِدُه بالبحث والتصنيف؛ إذ الملاحظ أن أعمال القدماء، وإن تضمنت مادة مهمة في تفسير القرآن بالقرآن، وشملت جملة من مباحثه وأنواعه، إلا أنها لم تخصه بمؤلف حامل لاسمه، جامع لكل ما يتعلق به على نحو يتسم بالإحاطة والاستيعاب، يُفصّل مفهومه، ويؤصل لمنهجه، ويشرح طريقة اشتغاله. ويمكن التأكد من ذلك بالرجوع إلى مكتبة التراث التفسيري بمعناه الواسع، الذي يشمل كل عمل تناول القرآن الكريم، بنوع من الدرس العلمي، كما هو الحال بالنسبة لكتب التفسير، وعلوم القرآن، والمناسبة، والوجوه، والنظائر، وتوجيه المتشابه وغيرها.

ولا تخرج أعمال المحدَثين أيضا عن هذا الحكم؛ فرغم تضمنها لمؤلفات تحمل عنوان "تفسير القرآن بالقرآن"، إلا أن الغالب عليها، كان الاهتمام بالجانب التطبيقي أكثر من غيره؛ إذ غاب عنها التفصيل في المفهوم، والتأصيل للمنهج، وشرح طريقة الاشتغال، إلا في حالات قليلة، تضمنت إشارات إلى بعض ما سبق، دون أن تتسم بالعمق المطلوب. ويمكن التمثيل لذلك بجملة من العناوين منها؛ كتاب "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" لمحمد بن الأمين الشنقيطي، و"التفسير القرآني للقرآن" لعبد الكريم محمود الخطيب.

واستدعت هذه العوامل مجتمعة، إعادة دراسة "تفسير القرآن بالقرآن"، بحسب ما تقتضيه طبيعة الموضوع من مناهج؛ إذ تطلب البحث في المفهوم تحليلَه إلى وحدات صغرى، هي المفردات المكونة له، ووصفَ كل مفردة منها، بحسب ما تفيده مختلف مستويات الدلالة، ثم إعادةَ تركيب ذلك كله، للبث فيما يتولد عنه من إشكالات. وتطلب البحث في المنهج، التعريف به، والبيان التحليلي لأصوله النظرية، والحلقات الأساسية للعمل الذي يقوم به، مع تصنيف أدواته الإجرائية ووصفها، مشفوعة بتطبيقاتها من القرآن الكريم.

أولاً: مفهوم تفسير القرآن بالقرآن

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير